والشروع في إعادة فرض الإغلاق الكلي كما في النمسا والجزئي كما في هولندا وبلجيكا، وتشديد إجراءات مكافحة الموجة الوبائية الواسعة التي تضرب القارة الأوروبية في العديد من بلدانها المتأثرة بتلك الموجة.

اندلعت منذ الجمعة مواجهات وصدامات عنيفة في العديد من الدول الأوروبية من النمسا وهولندا وبلجيكا، إلى فرنسا والدنمارك وكرواتيا، التي اشتعلت ساحاتها العامة وأزقة مدنها على وقع أعمال الشغب وحرق الإطارات والدراجات النارية، من قبل محتجين، حيث تحولت شوارعها لميادين مواجهة مفتوحة بينهم والقوى الأمنية.

وتظاهر عشرات الآلاف في العديد من العواصم والمدن الأوروبية، احتجاجا على إعادة فرض القيود على الحياة العامة، على خلفية ارتفاع وتيرة الاصابات والوفيات بشكل قياسي من جراء فيروس كورونا.

ففي النمسا التي دخل الإغلاق التام حيز التنفيذ الاثنين الماضي، والتي تعتزم كأول دولة أوروبية فرض التلقيح ضد كورونا المستجد مع بداية شهر فبراير من العام القادم، اندلعت مواجهات بين المتظاهرين وقوى الأمن، حيث باتت المدن النمساوية كالمهجورة، مع إغلاق الأسواق والمطاعم والمقاهي، وقاعات الموسيقى ومراكز التجميل، باستثناء المدارس.

وبهذا تكون النمسا أول دولة أوروبية تعاود فرض الحجر المنزلي على سكانها، من بعد توفر اللقاحات المضادة للفيروس الفتاك للسكان، باستثناء حالات شراء الحاجيات الضرورية، وممارسة الرياضة وأخذ الرعاية الطبية، فضلا عن الذهاب للعمل.

وفي كل من بلجيكا وهولندا، أدت إعادة فرض التدابير، للحد من انتشار كوفيد-19 لوقوع صدامات عنيفة مع المتظاهرين، حيث تم حبس العشرات من قبل الأجهزة الأمنية، في هولندا، التي شهدت مدنها مثل لاهاي وروتردام أعنف الصدامات، حيث تعتزم السلطات فرض سلسلة من التدابير الصحية التي تتعلق خصوصا بقطاع المطاعم والحانات، والتي ينبغي أن تغلق أبوابها عند الثامنة مساءا. ومنع غير الملقحين من دخول بعض الأماكن العامة للحد من التدهور الوبائي.

وفي بروكسل عاصمة بلجيكا والاتحاد الأوروبي، تظاهر نحو 35 ألف شخص، رفضا للقيود التي فرضتها السلطات في إطار محاولة كبح جماح التفشي الوبائي الواسع.

ويسود القلق والتوجس لدى حكومات دول الاتحاد الأوروبي، من انزلاق الأمور نحو ما يشبه انتفاضة أوروبية عامة، ضد القيود على الحياة العامة، والتي تبدو بين خيارين أحلاهما مر، بين العمل على كبح جماح تدهور الواقع الوبائي، حيث مثلا خلال هذا الأسبوع، سجلت ألمانيا أكثر من 50 ألف اصابة جديدة في غضون 24 ساعة، وفي فرنسا تم تسجيل نحو 20 ألف اصابة في يوم واحد، أو الإذعان لمطالب المحتجين برفع القيود المشددة لمكافحة الوباء.

وللوقوف على تفاصيل المشهد المشتعل في أوروبا، على خلفية الرفض الشعبي المتنامي لإعادة سياسات الإغلاق العام، يقول الخبير في الشؤون الأوروبية ماهر الحمداني، المقيم في ألمانيا، في حديث مع “سكاي نيوز عربية”: “ما يحدث في بلجيكا وهولندا وعدد آخر من الدول الأوروبية، هو مقدمة لما سيحدث في عموم أوروبا، فهولندا أعادت فرض قيود بالغة الصرامة، تصل لمنع السكان من الخروج إلا بعذر بعد أن وصلت معدلات التلقيح فيها لمديات عالية جدا، وسط تأكيدات حكومية سابقة بأنه لا عودة إلى الإغلاق الشامل، خاصة مع التوصل لقناعة شبه عامة رسميا وشعبيا في مختلف البلدان الأوروبية، بأن تجربة الحجر الأولى مع بداية انتشار الفيروس العام الماضي، لم تكن مجدية ولا ضرورية، بل تضررت قطاعات الاقتصاد والتعليم، والانعكاسات كانت كارثية على الصحة النفسية للناس”.

ويتابع: “الآن مع عودة الحكومات الأوروبية لخيار اعتماد سياسات الاغلاق والحجر المنزلي مجددا، من الصعب للغاية على المواطنين الأوروبيين قبول ذلك، وهم الذين كانوا طيلة العامين الماضيين محجورين بشكل عام في منازلهم وسط إجراءات مشددة، ومع تلقيهم التطعيم بأعداد كبيرة هم لا يرون مبررا منطقيا للعودة لفرض الإغلاق العام، وهؤلاء هم غالبية المحتجين حاليا”.

لكن ثمة جزء من الساخطين والرافضين هم من المؤمنين بنظرية المؤامرة، ومن المشككين أصلا في صحة وجود فيروس كورونا المستجد، بل ويرفضون نظرية الوباء، كما يوضح الحمداني.

وأضاف: “الذين يرون أن الموضوع برمته مفبرك من قبل أجهزة استخبارات دول بعينها، وأنه يندرج في سياق حروب وتصفية حسابات بين القوى الكبرى العالمية، يعتبرون أن إجراءات الحكومات هذه هي مقدمة للسيطرة على الشعوب واستلاب إرادتها، ومحاولة فرض إرادات المؤسسات والاحتكارات الكبرى على عموم المجتمعات البشرية”.

والفئة الأخرى ضمن المتظاهرين ضد إجراءات الحد من التفشي الوبائي في أوروبا، كما يشرح الحمداني: “هي مجموعات من الناشطين الحقوقيين والمدافعين عن حرية الناس في قبول أخذ اللقاحات أو رفضها، والمعترضين على التوجه لدى بعض الحكومات بأوروبا كما في النمسا لفرض اللقاحات على المواطنين، باعتبارها تعديا على حرية الناس المطلقة، وبالتالي فهي ترى أن الإجبار على التلقيح هو انتهاك للحقوق الأساسية للإنسان، ولو تم فرض هذه الإجراءات المشددة كما في هولندا، في الدول الأخرى كفرنسا مثلا المعروفة بسرعة تكون واشتعال الاحتجاجات العامة في شوارعها، وحتى في ألمانيا وايطاليا وغيرهما، فحينها سنكون أمام احتمالية نشوء حركة احتجاج أوروبية قارية ضد سياسات مكافحة كورونا”.

ولهذا تتردد بقية بلدان أوروبا في الإقدام على فرض الإجراءات المشددة، كما يقول الخبير في الشؤون الأوروبية، متابعا: “فمثلا ألمانيا المتأخرة في تشديد الإجراءات والقيود، لخشية الحكومة من ردة الفعل الشعبية الغاضبة، والتي بلغ معدل الإصابات بها مستويات خطيرة، وهو 400 إصابة بين كل 100 ألف ألماني، ستكون مضطرة هي وغيرها من حكومات أوروبا، في غضون أسبوع أو 10 أيام، لفرض القيود المشددة، إذا ما لم تتراجع مؤشرات الوضع الوبائي، وسنشهد بالتالي اتساع نطاق دائرة العنف والصدامات في أوروبا ككل”.

من جانبه، يرى الطبيب زامو بختيار، في حوار مع “سكاي نيوز عربية” أن: “الحكومات الأوروبية أمام لحظة صعبة للغاية، ما بين تغليب المصلحة العامة أو الرضوخ لضغط الشارع، وهي مطالبة هنا بالحزم ووضع الأولوية لاعتبارات الحفاظ على الصحة العامة، ومنع التدهور الوبائي، مهما كانت تكلفة المواجهة، فالتراخي وعدم فرض القيود سيقود لكارثة صحية لن تقف عند تخوم أوروبا، كون الفيروس لا حدود لانتشاره وانتقاله حول العالم”.

ويردف بختيار: “نحن أمام فترة أعياد خلال أيام قليلة، وعلى الأرجح ستعمل معظم الحكومات الأوروبية وعن حق على فرض قيود وقائية، خلال تلك الاحتفالات وربما منعها بشكل تام، خاصة وأن المحتجين الغاضبين، لا يمثلون الرأي العام الأوروبي ككل، وهم يصمون في صفوفهم مجموعات من الفوضويين ومثيري الشغب”.

هذا وكانت منظمة الصحة العالمية، قد دقت ناقوس الخطر، محذرة قبل أيام من أن وتيرة انتقال عدوى كورونا في أوروبا “مقلقة جدا” في الوقت الحالي، مما قد يؤدي إلى تسجيل نصف مليون حالة وفاة إضافية في القارة بحلول فبراير المقبل.

ويأتي كل ذلك وسط تحذيرات من أن فصل الشتاء الذي بات على الأبواب، والذي سيفاقم الموجة الوبائية الحالية في أوروبا، لا سيما وأن احتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة، في حال عدم وضع ضوابط لها، ستسهم في انتشار واسع للمرض، وفق ما يحذر الخبراء الصحيون.

skynewsarabia.com