تحتل أزمة الأساتذة الخاضعين للنظام الأساسي الخاص بأطر الأكاديميات (التوصيف القانوني الحالي) حيزا كبيرا من النقاش العمومي، بل ووصل صداها إلى قبة البرلمان أكثر من مرة، ويكاد النقاش بخصوصها يطغى على كافة الملفات الحارقة الموضوعة على طاولة وزير قطاع التربية الوطنية، والمؤكد أن شراراتها آخذة في الاتساع في ظل غياب حلول تنقل هذا الملف إلى بر الأمان.

تبدو اللحظة مناسبة لتناول هذا الموضوع، ليس فقط لأن المناسبة شرط، ولكن بالنظر إلى مناطق الظل وتباين وجهات النظر التي تثار بشأنه وكثرة ما يشاع بخصوصه من مغالطات تساهم في تعقيد الحلول القادرة على وضعه على سكته الصحيحة، وهو أمر قد يبدو عاديا في المواضيع التي تصبح قضايا رأي عام، إلا الاستثنائي هذه المرة هو أن الأمر يتعلق بقطاع حيوي وسياسة عمومية تعتبر أولوية حكومية ومجتمعية، فالمفترض أن ترقية منظومة يحظى بإجماع الدولة بمختلف مؤسساتها والمجتمع بكافة شرائحه وأطيافه.

لابد من الإقرار أن زوايا النظر للموضوع ومناقشته متعددة، وما يهمني في هذه المساهمة البسيطة هو إلقاء الضوء على الجانب القانوني، ولو بشكل مقتضب، لهذا السجال الدائر حول عدالة مطلب أساتذة الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، والذي يستأثر بجزء كبير من التدافع بين الحكومة وهؤلاء الأساتذة، حيث يحاجج كل طرف بما لديه من نصوص ومفاهيم قانونية يرى أنها تؤيد وجهة نظره، ثم الانتقال بعد ذلك لطرح خلاصات تعبر عن آراء شخصية.

أ) منطلقات أساسية

قد تبدو هذه المنطلقات بديهية لدى المتخصصين، إلا أنني أعتقد أنه من الضروري التذكير بها ما دامت رقعة المعنيين والمهتمين بالموضوع لا تشمل هؤلاء فقط :

1) إن النقاش حول الوضعية التعاقدية من عدمها لأطر الأكاديميات لا علاقة له بالتعاقد بالإدارات العمومية، والذي تم إرساءه بمقتضى بمقتضى الفصل 6 المكرر من القانون رقم 50.05 المغير والمتمم للنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، والذي صدر تطبيقا له المرسوم رقم 2.15.770 بتاريخ 9 غشت 2016 بتحديد شروط وكيفيات التشغيل بموجب عقود بالإدارات العمومية، والذي وإن كان قد وفر الأساس القانوني لاعتماد آلية التعاقد إلا أنه حصرها في حالات استثنائية تم تحديدها في المادة 2 من المرسوم المشار إليه. ونعتقد أن هذا العائق الذي لم يكن يسمح للحكومة باللجوء للتعاقد على نطاق واسع في قطاع التعليم من الأسباب التي حذت بها ل”تهريبه” إلى الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين باعتبارها مؤسسات عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية؛

2) النظام الأساسي لأطر أكاديميات التربية والتكوين لا يمت بصلة لمختلف أصناف الأنظمة الأساسية الخاصة بمختلف أطر وهيئات موظفي الدولة المنصوص عليها في الفصلين 4 و 5 من ظهير 24 فبراير 1958 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، وإنما يدخل في خانة الأنظمة الأساسية التي اعتادت أن تصدرها المؤسسات العمومية لتدبير أعوانها ومستخدميها، ولا تفوتني الإشارة هنا إلى الانتقادات التي توجه لهذه الأنظمة، خاصة ما يتعلق بطابعها المؤقت وهشاشة أساسها القانوني، ولعل وعد السيد سعيد أمزازي بإخراج الأنظمة الأساسية الخاصة بأطر الأكاديميات في شكل مرسوم يندرج في هذا الإطار؛

3) مفهوم أطر الأكاديميات لا يحيل على الوضعية القانونية لهؤلاء بقدر ما يتعلق بعملية تصنيف وهيكلة لمختلف الفئات المعنية بها وتنظيم مسارها المهني؛

4) إن الحديث عن التوظيف الجهوي لا يندرج ضمن إرساء الوظيفة العمومية الترابية، والتي ينتظر تفعيلها مع إخراج النظام الأساسي الخاص بموظفي إدارة الجماعات الترابية بمقتضى قانون كما هو منصوص عليه في القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، وإنما يتعلق بورش توطيد سياسة اللامركزية واللاتمركز بقطاع التربية الوطنية؛

ب) الوضعية القانونية لأطر الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين

لعل أكثر ما يثير النقاش في هذا الملف هو الوضعية القانونية لأطر الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، إذ تدافع وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي عن طرح انتفاء الوضعية التعاقدية عن هؤلاء بعد التغييرات التي أدخلت على الأنظمة الأساسية الخاصة بهم بتاريخ 15 مارس 2019 والتخلي عن توقيع العقد، في حين يصر أطر الأكاديميات على كونهم “أساتذة فرض عليهم التعاقد”، وأن ما أدخل من تعديلات لا يغير من هذا الأمر شيئا.

وبعيدا عن الدخول في التفاصيل، نورد الأفكار والخلاصات التالية:

– إن التصنيف القانوني الأول الذي يمكن أن يوضع تحته أطر أكاديميات التربية والتكوين هو أنهم أعوان عموميون، وهو مبدأ يجد سنده في الاجتهاد القضائي الفرنسي، والذي أرسى قاعدة مفادها أن تنفيذ مهام المرافق العامة الإدارية يسند إلى أعوان عموميين، وهذا ما ذهبت إليه محكمة التنازع في فرنسا سنة 1996 في قرارها الشهير BERKANI حيث أكدت على كون “الأشخاص غير النظاميين الذين يعملون لصالح المرفق العمومية ذي الطبيعة الإدارية هم أعوان متعاقدون في إطار القانون العام بغض النظر عن عن الوظيفة التي يقومون به”، وبعده صدر رأي لمحكمة التنازع أكثر تدقيقا جاء فيه “الأعوان المتعاقدون لدى شخص عام المعينون في مرفق عمومي ذي طبيعة إدارية يعتبرون أعوانا متعاقدين في إطار القانون العام بغض النظر عن الوظيفة التي يقومون بها”.

وبالتالي فإن أطر الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، باعتبار هذه الأخيرة مؤسسات عمومية إدارية (المعيار العضوي) وتؤمن مهمة للمرفق العام (المعيار المادي)، هم أعوان عموميون يشتركون مع موظفي الدولة في الخضوع لنظام قانوني تابع للقانون العام، وأن المنازعات التي قد تحصل بينهم وبين مشغيليهم (الأكاديميات الجهوية في حالتنا هذه) تتبع لاختصاص القاضي الإداري.

– إن خضوع هذه الأطر في علاقتها بالأكاديميات الجهوية لأنظمة أساسية، والتي تحيل بدورها على تطبيق عدد من النصوص التطبيقية للنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، يجعلهم في وضعية نظامية وتنظيمية لا تعاقدية، ويترتب بشكل مختصر عن هذا الأمر كما يشير إلى ذلك René Chapus في شرحه لعبارة “وضعية نظامية وتنظيمية” قابلية وضع هؤلاء للتغيير (من خلال حق الأكاديمية في إدخال تعديلات على نظامهم الأساسي بشكل انفرادي) واستبعاد التفاهمات الخاصة، كون حقوقهم وواجباتهم هي محددة حصريا بشكل عام ومجرد من خلال النظام الذي يخضعون له.

يبقى السؤال المعلق بعد ذلك هو: هل معنى وجود أطر الأكاديميات في وضعية نظامية وتنظيمية أنهم موظفون بالمفهوم الوارد في ظهير 24 فبراير 1958 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية؟، وبالعودة إلى الفصل 2 من هذا الظهير نجده يتضمن ثلاثة شروط في تعريف الموظف: 1- التعيين، 2- شغل وظيفة قارة، 3- الترسيم في الدرجة.

إذا كان الأمر محسوما بالنسبة للشرطين الأولين، فإن مثار النقاش هو بخصوص شرط الترسيم، مع التأكيد على أن الأنظمة الأساسية لأطر الأكاديميات الجهوية تنص عليه بعد قضاء فترة التدريب كما هو الحال بالنسبة لنظام الوظيفة العمومية للدولة، وبناء عليه تعتبر السلطة الحكومية المكلفة بقطاع التربية الوطنية أنه لم يعد من مبرر لدى أساتذة الأكاديميات الجهوية للاحتجاج والاستمرار في الإضرابات، في حين يرد هؤلاء الأساتذة بالاستدلال على وضعيتهم الهشة بالمادة 11 من القانون رقم 07.00 بإحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين التي تنص على أن العاملين الذين توظفهم الأكاديميات لهم صفة أعوان، وأن فئة الموظفين منهم يوجدون في وضعية الإلحاق من إدارات عمومية أخرى، وبالتالي فإن يرون أن عبارة الترسيم الواردة في الأنظمة الأساسية لأطر الأكاديميات هي مجرد تحايل على المصطلحات لا حمولة حقيقية لها، خاصة وأن هذه الأنظمة الأساسية مؤقتة وقوتها القانونية ضعيفة بالمقارنة مع القانون المحدث للأكاديميات الجهوية.

أعتقد أن مدار الخلاف يجب أن ينصب على نقطة جوهرية تتعلق بالنتائج المترتبة عن كلا الترسيمين، إذ أن الترسيم في الدرجة بالنسبة لموظف الدولة يمنحه الحق في الإلحاق والوضع رهن الإشارة، وكذا النقل بالنسبة للموظفين المنتمين إلى الهيئات المشتركة بين الإدارات والإدماج بالنسبة الموظفين الملحقين، وهو ما ينتفي عن زملائهم أطر الأكاديميات الجهوية، بمعنى أن الترسيم في إحدى درجات أطر وهيئات الإدارات العمومية يمنح هامش حركية أوسع. إلا أن هذا لا يعني سقوط امتياز الاستقرار الوظيفي عن أطر الأكاديميات الجهوية، ولا الادعاء أنهم في وضعية هشة بالمعنى الذي يتم تداوله على نطاق واسع بين العديد من المعنيين بهذه الأنظمة الأساسية.

ولا بأس من التذكير هنا بقاعدة أساسية في نظام المسار المهني الذي يعتمده المغرب كمرتكز للوظيفة العمومية للدولة ( وإن كان البعض قد يعتبرها موغلة في النظري، إلا أنه لا ضير من استحضارها ما دمنا إزاء تفكيك كافة عناصر أزمة هذا الملف)، مفادها “التمييز بين الدرجة والوظيفة”، والتي يترتب عنها كما أشار إلى ذلك DE LAUBADERE André:

– حذف الوظيفة لا يؤدي في حد ذاته إلى تسريح الموظفين؛

– الإدارة يمكن أن تغير وظيفة موظف ما دون أن يدعي هذا الأخير أنها “حق مكتسب”.

والذي أعتقده هو أنه يصعب تأكيد انطباق هذه القاعدة في حالة الأنظمة الأساسية لأطر الأكاديميات، بالنظر إلى ميزة التخصص التي تؤطر عمل المؤسسات العمومية بشكل عام، ثم الهامش المحدود لحركية أطر الأكاديميات الجهوية سواء كانت هذه الحركية جغرافية أو وظيفية.

ج) خلاصات

إذا ما أردنا ترك هذا السجال القانوني، فإن الأفكار التي أعتقدها بخصوص قضية أطر الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين تتمثل فيما يلي:

– إن هذا الملف هو ضحية ما يمكن أن نسميه بـ”خطيئة النشأة”، والتي حاولت الدولة التكفير عنها باستبعاد التعاقد، وهو ما عكس ارتباكا رسميا واضحا تساؤل عنه الحكومة أولا وأخيرا، فبدايات فصول هذه الأزمة تعود إلى سنة 2016 مع صدور المقرر المشترك لوزير التربية الوطنية والتكوين المهني ووزير الاقتصاد والمالية رقم 7259 بتاريخ 7 أكتوبر 2016 في شأن وضعية الأساتذة المتعاقدين مع الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، والذي أقر التوظيف عن طريق التعاقد على مستوى الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، وهي خطوة وجدت مرجعيتها في الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي أوصى بتنويع أوضاع المدرسين، بما في ذلك اللجوء إلى التعاقد على مدد زمنية تدريجية قابلة للتجديد، على صعيد المؤسسات والأقاليم والجهات…، وتروم تحقيق أهداف تتعلق بتقليص كتلة الأجور التي تشكل الميزانية المخصصة لأطر قطاع التربية الوطنية جزء مهما منها، من خلال تحفيز الأكاديميات على تعزيز حصة مواردها من الخدمات التي تقدمها، إضافة إلى التخلص من إكراهات التوظيف النظامي الذي يتم في إطار ظهير 24 فبراير 1958 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية والنظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية الصادر في 10 فبراير 2003.

– أعتقد أنه لم يعد من مبرر للإبقاء على الأنظمة الأساسية لأطر الأكاديميات ولو في صيغتها الحالية، ما دام “الهدف الاستراتيجي” الأول المتمثل في تعميم التعاقد بقطاع التربية الوطنية قد تم التنازل عنه بشكل أو بآخر، وهي الخطوة الأهم في مسار حلحلة هذا المشكل وتصحيح ما شابه من أخطاء، فالأمر لم يعد يحتاج سوى لشجاعة حكومية تضع نقطة النهاية لهذا المسلسل المكلف لكل المعنيين به وهم كثيرون، وتسمح بالانتقال إلى التركيز على ملفات أهم أضحت الانتقادات بخصوصها تتزايد يوم بعد يوم، فسياسة الكم التي نهجتها الوزارة لتغطية الخصاص مع تبني آلية التعاقد لا يمكن أن تخفي الوجه الآخر السلبي الذي ترتب عنها، والمتعلق بتكوين الأساتذة وتمكنهم من المعارف والكفايات اللازمة؛

– إن تحقيق العدالة المجالية وتغطية الخصاص المسجل على مستوى بعض الجهات لا يتوقف بالضرورة على إحداث أطر تابعة للأكاديميات الجهوية والتوظيف الجهوي، بل يمكن إدراكه مع الإبقاء على مناصب هؤلاء الأطر مقيدة ضمن الميزانية العامة للدولة وإدماجهم في النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية، وذلك من خلال تقوية دور الأكاديميات الجهوية على مستوى تدبير مواردها البشرية، في إطار نقل حقيقي للاختصاصات يقوم على تفويض السلطة وإعطائها صلاحيات كبيرة في اتخاذ القرار، خاصة وأن هذا الهدف يعتبر من صميم ما يصبو إليه الميثاق الوطني للاتمركز الإداري الصادر بتاريخ 26 ديسمبر 2018، بالنسبة لأغلب القطاعات الوزارية؛

– إذا كانت الحكومة تدافع عن إبقائها على هذه الأنظمة الأساسية الخاصة بأطر الأكاديميات الجهوية، من باب حرصها على إبقاء الحركية على المستوى الجهوي، الذي يمكن من تغطية الخصاص الحاصل في المناطق النائية والبعيدة على مستوى كل جهة، فإنني أعتقد أن هذا الأفق المحدود الذي كرست له هذه الأنظمة الأساسية يعد بالمقابل أكبر نقائصها، وسيمهد لجعل الأكاديميات جزرا مستقلة عن بعضها البعض ثم عزلها عن بقية الإدارات العمومية الأخرى، في ضوء الصعوبات التي تطرحها مسألة تبادل المناصب المالية. فالحركية ليست مجرد آلية لخدمة الإدارة بل أيضا وسيلة لتحفيز الموارد البشرية، ولا يتوقف الإشكال عند الحركية الجغرافية بل يمتد كذلك للحركية الوظيفية ما دام هؤلاء الأطر لن يكون بمقدورهم تغيير هيئاتهم وأطرهم الأصلية كما هو الأمر بالنسبة لكافة موظفي الدولة، وهو أمر واضح في ضوء عدم تنصيص تلك الأنظمة الأساسية على وضعية الإلحاق، وكذا الوضع رهن الإشارة. لذا نعتقد أن إعادة برمجة المناصب المالية لهؤلاء على مستوى الميزانية العامة للدولة كفيل وحده بحل هذا المشكل، خاصة وأن إشكالية تدبير الخصاص يرتبط أساسا يتطوير منظومة تدبير الموارد البشرية والاستفادة مما تتيحه تكنولوجيا المعلومات والاتصال في هذا الشأن، وهي أمور لا زالت تنتظر جهدا كبيرا لتنزيلها على أرض الواقع، وتعد من النقائص التي توجه بخصوصصها انتقادات كبيرة للإدارة المغربية.

– إن المناصب المالية المخصصة لأطر الأكاديميات هي في الأصل تحويلات من وزارة الاقتصاد والمالية، ولا تندرج ضمن مداخيل الأكاديميات، لذلك سبق لوزير الاقتصاد والمالية أن صرح أنه مبدئيا لا يرى مشكلا في إعادتها للميزانية العامة للدولة، واحتسابها ضمن الكتلة الأجرية المخصصة لنفقات الموظفين متى ما وقع توافق على حل هذا المشكل بين الأطراف المعنية، ما دام الأمر لن يؤدي لرفع هذه النفقات.

– حاجة خطاب الجهات التمثيلية لأطر الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين للتجديد أصبح ملحا أخذا بعين الاعتبار المعطيات القانونية التي تناولناها أعلاه، وهو أمر لن تنقص من شرعية مطالب هؤلاء الأطر في شيء، بل سيضفي عليها تماسكا وانسجاما أكبر، ما دام الأصل هو حق كل الفئات المهنية في السعي لتحسين ظروفها وانتزاع مكتسبات إضافية لا يقبل النقاش، ولا شك أن ملف أطر الأكاديميات الجهوية قد شابته الكثير من التجاوزات أقرتها الحكومة نفسها بعد تنازلها عن العقد ومراجعة الأنظمة الأساسية التي يخضعون لها.

– قد يؤاخذ الكثيرون على أطر أكاديميات التربية والتكوين مبالغتهم في التباكي على وضعيتهم المهنية التي يصفونها بالهشة، كون الآلاف غيرهم من موظفي مؤسسات عمومية سواء أكانت إدارية أو ذات طابع صناعي وتجاري يخضعون بدورهم لأنظمة أساسية خاصة، بل وفي أحيان كثيرة بضمانات أقل، إلا أنني أعتقد أن الأمر مختلف في حالة ملف أطر الأكاديميات الجهوية، كون مراعاة الوضعية الاعتبارية لرجال التعليم تشكل إحدى ركائز بناء أي سياسة تعليمية ناجحة، وهو ما لم تأخذه الحكومة بعين الاعتبار، فالمقارنات والتصورات التي ترتبت عن تعايش فئتين من الأطر المزاولين لنفس المهام داخل نفس المؤسسات التعليمية، كان لها التأثير السلبي البالغ على نفسية هؤلاء، وزادت من تأزيم واقع ما عاد فيه الجسم التعليمي يحظى بنفس المكانة التي طالما حظي بها وكانت مصدر فخر واعتزاز له.

باحث في مجال الإصلاح الإداري، وحاصل على الدكتوراه في القانون العام

hespress.com