
تزامنا مع استمرار الصعود الاقتصادي الآسيوي، يحاول الرئيس الأمريكي الجديد، جو بايدن، إعادة بريق الديمقراطية الأمريكية وقيادة العالم من جديد، بالرغم من وجود توقعات بكون ذلك لن يفلح في تعطيل تحول النظام الدولي إلى عالم متعدد الأقطاب ومتنوع أيديولوجيا.
وبدأ النقاش من طرف مفكرين كبار حول رؤية جديدة للنظام الدولي تنطلق من أن أفضل وسيلة لتعزيز الاستقرار العالمي في القرن 21 هي الوفاق وخلق مساحات من التفاهم المشترك بين القوى الكبرى، من أجل تعزيز التعاون الدولي، وكبح جماح المنافسة الجيوسياسية والأيديولوجية، التي عادة ما تصاحب التعددية القطبية.
وفي هذا الصدد، يرى إبراهيم سيف منشاوي، أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، في مقالة تحليلية له، أنه من خلال توفير وسيلة لإجراء حوار استراتيجي حقيقي ومستدام، يمكن للوفاق العالمي أن يدير الاختلافات الجيوسياسية والأيديولوجية في سبيل الحفاظ على المصالح المشتركة والمتنافسة.
وأوضح أستاذ العلوم السياسية، في مقالته المنشورة على موقع “المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة”، أن الهدف الرئيسي من الوفاق الجديد ذي الطابع الاستشاري هو التصدي للأزمات الناشئة، والتداول حول مسألة إصلاح المؤسسات القائمة، وصياغة قواعد جديدة تتواءم مع التغير القائم.
وسيعتمد الوفاق العالمي، حسب منشاوي، على الحوار لبناء توافق في الآراء بدلًا من القواعد المقننة، وسيحترم الوضع الإقليمي الراهن وتصورات السيادة، وبالتالي سيمتنع عن استخدام القوة العسكرية أو غيرها من التدابير القسرية لتغيير الحدود القائمة أو إسقاط الأنظمة.
ويرى الباحث نفسه أن الوفاق العالمي الجديد سيشكل انتكاسة للمشروع الليبرالي الذي أطلقته الدول الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، لأنه سيترتب عنه تقليص التوقعات في ضوء الحقائق الجيوسياسية للقرن 21.
كما سيشكل، وفق الباحث نفسه، فرصة مواتية لتعزيز الاستقرار العالمي وسط تعددية قطبية متنوعة الأيديولوجيات، حيث سيسمح له الطابع غير الرسمي بالتكيف مع الظروف المتغيرة مثل صعود الشعبوية والقومية.
وأوضح منشاوي أن هذا الوفاق العالمي يجب أن يركز على تشجيع احترام الحدود القائمة، ومقاومة التغييرات الإقليمية من خلال الإكراه أو استخدام القوة، إلى جانب توليد استجابات جماعية للتحديات والأزمات العالمية، عبر تعزيز الدبلوماسية، وحفز المبادرة المشتركة، وإسناد التنفيذ إلى المنظمة المناسبة مثل الأمم المتحدة عند القيام بعمليات حفظ السلام، أو صندوق النقد الدولي عند تقديم الائتمان في حالات الطوارئ، أو منظمة الصحة العالمية عند اتخاذ إجراءات تخص الصحة العامة.
وخلصت المقالة إلى أن إنشاء الوفاق العالمي لن يكون حلا سحريا للقضاء على المشكلات العالمية، غير أنه يقدم أفضل الطرق وأكثرها واقعية لتعزيز التنسيق بين القوى الكبرى، من أجل الحفاظ على استقرار النظام الدولي، وتعزيز نظام قائم على القواعد.