تدخل الطّائرة الأجواء الإيطالية التي تبدو ساحرة من الأعلى، جزر خضراء متناثرة مترامية الأطراف، وسواحل هادئة تشدّ أنظار الرّكاب. تبتعد الطائرة قليلا وتمضي في مسيرها شرقاً صوب “إسطنبول”، المدينة المليونية التي يقصدها اللّاجئون والمهاجرون والمضطهدون، وحده ظلّ ينظر عبر النّافدة، إلى الأفق اللامتناهي، قبل أن يُباغتني بسؤال شدّ انتباهي: “ماذا لو تعطّل المحرّك ونحن في الأجواء الإيطالية؟ أكيد أنّ الطّائرة ستهبط بنا في جنوة أو روما أو ربّما في باليرمو..المهم أننا سنكون في إيطاليا..وسننجو من مشقّات الطّريق الطّويل إلى الحلم الأوروبي”.

قبل أن أحزم حقائبي متوجّها إلى إسطنبول التّركية في عزّ الطوارئ الصّحية العالمية التي فرضها فيروس “كورونا”، طرحت على نفسي عدّة أسئلة؛ من أين سأبدأ هذا التّحقيق؟ كيف سأصل إلى المهاجرين المغاربة في إسطنبول؟ ماذا لو تمكّنت السلطات التّركية من رصدِ خطواتي، وبالتّالي اعتقالي؟ ماذا لو كلّفني هذا التّحقيق حرّيتي، وربّما حياتي؟ وهل يفتح هؤلاء قلوبهم لصحافي قدِم من وطن أصبحوا يمْقتونه؟ هي أسئلة ظلّت حاضرة طوال مشوار إعداد هذا التّحقيق الذي تطلّب إنجازه زهاء ستّة أشهر، متنقّلا بين مدن تركية عديدة ومناطق حدودية مشدّدة، بحثا عن شهادات تنشر لأوّل مرة لمغاربة استبدّ بهم حلم الهجرة إلى أوروبا وقادهم إلى “بلاد الأتراك”، بعدما تركوا كلّ شيء في الوطن.

اتّصلتُ في البداية بزملاء يشتغلون في التّلفزيون التّركي الرّسمي سبقوني إلى المنطقة الحدودية، وأكدوا أنّ الطّريق إلى “إدرنة”، الإقليم التّركي الحدودي، مفتوح في وجه الصّحافيين. كان ذلك في أوائل مارس من السّنة الماضية، حينها، لم تكن هناك مشاكل على الحدود اليونانية التّركية، يكفي أن تتوفّر على كاميرا حتّى يسمح لك بالدّخول إلى مخيّم اللاجئين، لكن الأمور تعقّدت مع مرور الأيّام واشتداد الضّغط على السّلطات التّركية، وهو ما دفعها إلى منع وسائل الإعلام من دخول المخيّم وطرد العالقين عند الحدود عبر الشّاحنات وحافلات بلدية إسطنبول. ورغم هذه التّعقيدات ومشاكل الحدود التي لا تنتهي، قرّرت خوض المغامرة، والذّهاب إلى حيث تجتمع الجنسيات والأحلام والذّكريات…إلى الحدود غير المحروسة.

في “الطّريق إلى الحدود”، تسرد جريدة هسبريس معاناة مهاجرين مغاربة تحوّلوا إلى “مثليين” بعدما نفد منهم المال، يعرضون أجسادهم الفتية في شوارع “تقسيم” الشّهيرة، وآخرون يقبعون في السّجون بتهم كبيرة مرتبطة بالاتجار الدولي بالبشر وتكوين عصابات إجرامية، كما تنقل شهادات حيّة لمن ضلّ الطّريق وتاه في غابات الحدود الموحشة، ووُجد بعد أيّام من البحث والتّنقيب جثة هامدة ومجمّدة. هسبريس تخوض مغامرة غير مسبوقة وترافق “حراكة” مغاربة إلى نهر “إفروس” الذي تفوح منه روائح الموت من كلّ جانب..

البحث قادنا إلى أشدّ المناطق قتامة في إسطنبول، إلى أحياء “أكساراي” الشّعبية، التي تضمّ أخطر مافيات التّهريب والاتّجار بالبشر، هناك التقينا بعدد من المهاجرين المغاربة الذين طالَ مقامهم في تركيا، وأصبحوا مع الخبرة التي اكتسبوها مع السّوريين والأفغان مهرّبين من الدّرجة الأولى. كما قادنا تحقيقنا إلى أقصى نقطة حدودية على أطراف مدينة “إدرنة” الشّمالية الغربية المتاخمة لليونان..كما سننقلكم في “رحلة الموت” إلى الحدود، حيث رافقنا مجموعة من “الحرّاكة” المغاربة إلى ملاذهم الأخير قبل رحلة الصّعود الشّاقة صوب اليونان، أولى محطّات “الزّحف الكبير” إلى أوروبا الغربية.

“البوليس” يفتحُ باب الهجرة

لأوّل مرة أجدني متوجّسا من رحلة جوية ستقودني إلى المجهول. باحة مطار محمد الخامس خالية من الرّكاب. في عز الطّوارئ الصّحية التي فرضتها جائحة “كورونا”، فضّل العديد من المسافرين تأخير رحلاتهم حتّى تتّضح الرّؤية. في شباك تسجيل الجوازات يقف شبّان بحلاقة عصرية يرتدون ملابس رياضية أمام ضابط للاستعلامات كان بصدد جمع المعلومات وختم الجوازات، في كلّ مرة يسأل عن الوجهة والمهنة وسبب السّفر..عرفت في ما بعد وأنا داخل الطّائرة أن عددا من الرّكاب، الذين لم يكونوا سوى مهاجرين، اعترفوا للضّابط بأنهم سيذهبون إلى تركيا من أجل “الحريك”، وقد حكى لي أحدهم أن ذلك الضّابط الشّاب سأله عما إذا كان ينوي عند ذهابه إلى إسطنبول الهجرة إلى اليونان ثمّ أوروبا، وزاد: “البوليسي (الشّرطي) قال لي نعرف أنك ذاهب إلى تركيا من أجل “الحريك”، الله يسهّل عليك”.

نقطة البداية كانت من مطار “الصّبيحة”، على أطراف مدينة إسطنبول. السّاعة تشير إلى السّادسة مساء، وحدها النّوارس التي تتّخذ من بوابات المطار الرّئيسية ملجأ لها تملأ هذا العالم الرّتيب “ضجيجا”. بالقرب من الباب الرّئيسية للمطار، تتكدّس سيارات الأجرة، المعروفة بلونها الأصفر الفاقع، بينما يتسابق السّائقون في ما بينهم للظّفر بزبون أجنبي، يأملون أن يكون خليجيا.. “تقسيم” “تقسيم”..تعلو صرخات أصحاب “التّاكسي” وهم يلوّحون بأيديهم..هكذا تُفاجئك إسطنبول في اللّحظات الأولى من قدومك وتقتحم خلوتك وأفكارك ولا تجعلك تتأمّل في فوضى المكان وتسلّل الزّمان.

في تقسيم، وسط إسطنبول، يقبل علينا هيثم عيادي (21 سنة)، شابّ مغربي من مدينة سلا، قدم إلى تركيا بعدما سمع في نشرات الأخبار أن الحدود التّركية الأوروبية مفتوحة في وجه المهاجرين والمطرودين من الحرب والفارّين من جحيم أوطانهم؛ يعيش في حيّ “أكساراي” الشّعبي منذ ما يقرب عن أربعة أشهر، وفي المساء يأتي إلى شارع “الاستقلال” من أجل جني بعض المال.. يقول إنّه ألِف العيش بين “الأتراك” رغم مزاجهم الصّعب وطبعهم المتقلّب. يتقاسم هيثم غرفة متواضعة مع أربعة أشخاص، جزائرييْن ومغربييْن. رغم خلافات السّياسة والحدود، يجتمع هؤلاء حول هدف واحد: الوصول إلى أوروبا. “الطّريق صعيبة وميمكنش تزطم بوحدك، لا بد يكونوا معاك الدراري”، يقول هيثم.

اليونان..اليونان.. لا شيء غير اليونان

قدم هيثم إلى تركيا في بداية شهر نونبر من العام الماضي، بعدما شاهد فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي توثّق عمليات نزوح جماعية للمهاجرين عند الحدود اليونانية التّركية؛ لقد كان يحلم بأن يكون في مكانهم وهو يركض بكامل قواه ليصل إلى حلمه ويحصل أخيرا على إقامة يونانية، ويبدأ بعد ذلك رحلة الزّحف الطويلة صوب إيطاليا، الملاذ الأخير للمهاجرين. يحكي الشّاب وهو يحاول إظهار بعض وثائقه الشّخصية: “جئت إلى تركيا في نونبر. أردوغان دار لينا طعم.. سلكتُ في البداية طريق بلغاريا، لكنني لم أنجح. في المرة الثانية، حاولنا سلك طريق تيسالونيك، لكن أحد رفاقي تاه في الغابة وضلّ طريقه، كنا نحاول البحث عنه لكن الجيش اليوناني ألقى القبض علينا (…) في ما بعد عرفتُ أن صديقنا الذي ضاع منّا وصل إلى “تيسالونيك”، لكننا تمت إعادتنا إلى إسطنبول على متن حافلة عمومية. الآن نعيش وضعاً مأساويا… اليونانيون أخذوا هواتفنا ومالنا وجرّدونا من ملابسنا الدّاخلية”.

إلى حديقة شعبية بمنطقة “أكساراي” التّابعة لمقاطعة “فاتح” يأخذنا هيثم في رحلة البحث عن شهادات مهاجرين مغاربة يقول إنّهم “يشكّلون الأغلبية إلى جانب السّوريين والأفغان والجزائريين هنا في تركيا”. من بعيد، يبدو ميدان “أكساراي” معزولاً عن باقي الأحياء الشّعبية المحيطة به، أعلام تركية ترفرف في كلّ مكان، كأنها رسالة خفيّة تريد أن تذكّر هؤلاء الغرباء الذين يستوطنون المكان بأن “هذه الأرض تركية”. إلى جانب الأعلام المرفرفة، نُصبت خيام كثيرة يقطن داخلها بعض المهاجرين الذين فقدوا كلّ ما كانوا يملكونه. يقول رفيقي هيتم إنّ “غالبية المغاربة الموجودين في أكساراي لهم تجارب سيّئة مع شبكات التّهريب، سواء التّركية أو السّورية، بحيث استغلّت سذاجتهم وجهلهم وتركتهم عرضة للضّياع”.

وأنا أقترب للسّلام على بعض المهاجرين المغاربة بالقرب من السّوق الشّعبي لأكساراي، حيث يجتمع سماسرة التّهريب، كانت الأسئلة تدورُ في رأسي حول الأسباب التي تدفع المرء إلى ترك الوطن والمخاطرة بحياته في رحلة الموت للوصول إلى اليونان، هذا البلد الأوروبي الذي يكره المسلمين والعرب. لم يكن هؤلاء يؤمنون بأن “الحكايات تنتهي حين نخبرها للآخرين”، بل كانوا ينتظرون أيّ “غريب” ليخرجوا ما في قلوبهم من شكاوى وهموم. رحلة الهروب من الوطن لم تكن سهلة، كما يقولون، فقد تركت ندوبها في الأجساد والنفوس..في الأمس القريب، كان لهؤلاء بيت وأحلام وأسرة، انتهى بهم المطاف عالقين في تركيا..فلا طموح العودة إلى الوطن يستهويهم ولا حتمية البقاء هنا تخلّصهم من كوابيس الانتظار.

“هادي بلاد الحكرة أخويا”، هكذا يستهلّ عماد الدّين (26 سنة) حديثه مع جريدة هسبريس. ”جئت إلى تركيا في بداية دجنبر، كنت أنوي الذّهاب إلى اليونان عبر الحافلة، ثم بعد ذلك أقوم بتجاوز السّياج الحدودي. لم نجد أيّ مشاكل مع الأتراك، لكن جيش ‘الناتو’ وقف في طريقنا وصدّ حركتنا وتكلّف الجيش اليوناني بنقلنا إلى النّهر الحدودي (نهر مريج)”. ويضيف الشّاب المغربي: “كنت أشاهد العديد من المغاربة يتحدّثون عبر فيديوهات و’لايفات’ عن تركيا والطّريق إلى أوروبا. كان الحماس يشدّني، وقلت في نفسي يجب أن أجرب. يجب أن أغيّر حياتي إلى الأفضل. وهكذا، بعت دراجتي النارية وأخذت تذكرة الطائرة، وسافرت إلى إسطنبول. كل شيء بدا لي سهلا في البداية، لكن هذا الانطباع ما فتئ يندثر”.

تهريب وتعذيب

كيف يصل المهاجرون إلى الحدود اليونانية التّركية؟ هذا السّؤال سيقودني مرّة أخرى إلى شارع تقسيم، حيث سألتقي مهاجرا مغربيا آخر يشتغل في الحلاقة قدم من مدينة قلعة السّراغنة ولا يريد العودة إلى المغرب بتاتا. هذا الفتى الذي لم يتجاوز عمره الرّابعة والعشرين يريد إنجاب أطفاله إمّا في تركيا أو إيطاليا. يقول رشيد الحاصل على شهادة الباكلوريا في العلوم: “جئت إلى إسطنبول عبر خطوط طيران العربية. قطعت تذكرتيْ ذهاب وإياب. كنت أودّ أن أصل إلى إيطاليا. اشتغلت في الحلاقة ووفّرت بعض النّقود وقرّرت المغامرة. تيسالونيك أغلقوها.. لم يعد اليونانيون يقبلون مزيدا من المهاجرين”.

يحكي رشيد الملقّب بـ”بيدرو”: “في رحلتي الأولى تعرّضت لشتّى أنواع التعذيب. كنت أتمشّى حافيا على الأشواك. كانوا يقولون إنهم سينقلوننا إلى المخيم، لكننا وجدنا أنفسنا ننام على أرض عارية و’لما خانز’ (ملوث)”. للوصول إلى “تيسالونيك”، حيث يوجد المخيم، يجب أن تقطع 40 كيلومترا على الأقدام من نهر “مريج”.. هناك يوجد مخيم للاجئين. وجميع المهاجرين يحلمون في الوصول إلى هناك. يضيف الشّاب المغربي أن “الطّريق الذي يسلكه المهاجرون صوب أوروبا يعتمد على ما تملكه من مال”، موردا: “أنا عبرت الوادي بمليون سنتيم (1000 أورو) أعطيتها لمهرّب سوري. في المرّة الثّانية، وصلت إلى السّياج، لكن السلطات قامت باعتقالي وقضيت ثلاثة أيام في معسكر يوناني، ثمّ بعد ذلك قدّموا لي خريطة. قضيت عشرين يوما في اليونان، لم يكن يفصلني عن تيسالونيك سوى 30 كيلومترا. تركت جواز سفري مدفونا في إدرنة، يجب أن أحصل على جواز السّفر. أريد أن أبقى في إسطنبول لن أرجع إلى المغرب. لم آت إلى هنا من أجل السياحة بل من أجل أوروبا”.

قبل موعد الفرار إلى أوروبا عبر الحدود اليونانية التّركية يجتمع المهاجرون ويقسّمون الأدوار في ما بينهم، فهناك من يتكفّل بالخريطة “GPS” وتعطى له جميع الصّلاحيات، وهو بمثابة قائد المجموعة، وهناك من يتكلّف بالطّعام والماء؛ إذ إن المسافة طويلة ولا بد من توفير حاجيات الأكل والشّراب للوصول إلى “تيسالونيك” اليونانية، بينما هناك من يتكلّف بإجراء بعض الاتصالات الهاتفية مع من سبقوهم إلى المحطة المبتغاة. يحكي رفيقي رشيد: “تبدأ الرّحلة من محطة الباص بإسطنبول، حيث يمكن الحصول على تذكرة سفر عادية إلى إدرنة (إقليم تركي حدودي مع اليونان).. قبل الوصول إلى هذه المدينة الحدودية، يجب أن تنزل في منطقة ‘أوزون أبورو’ بمحاذاة الوادي. لقد تمّ اعتقالي هناك وتكلّف الجيش التّركي بإرجاعي إلى إسطنبول مرة ثانية”.

للوصول إلى “كافالا” أو تيسالونيك اليونانية، يعتمد المهاجرون المغاربة على مهرّبين تركيين أو سوريين، ولأنّ سمعتهم سيئة وسط الأتراك، بحيث غالبا ما يُطلق عليهم لقب “علي بابا”، لا يثق هؤلاء في المغاربة، إذ يشترطون دفع ثمن الرّحلة قبل ركوب النّهر، وفي حالة ما حاول أحدهم التّلاعب مع مافيا التّهريب، فإن مصيره يكون مأساويا. ويؤمّن هؤلاء عبور المهاجرين بطريقة سليمة إلى الطّرف اليوناني، مقابل مبلغ مالي يتراوح ما بين 8000 و10 آلاف درهم عن كلّ شخص.

تزوير واحتيال

يحلّ المساء كئيبا على ساحات “أكساراي” الشّعبية بمقاطعة فاتح وسط إسطنبول، داخل إحدى المقاهي الشّعبية بالقرب من محطة “المترو”، ينتظر ياسين ابن مدينة الدار البيضاء موعده للحصول على جواز سفر مزوّر للعبور إلى مونتي نيكرو أو الجبل الأسود؛ هذه الدّولة المسالمة عكس اليونان التي يمقتها المهاجرون. الدّقائق تمرّ كالسّاعات على هذا المهاجر المغربي، عيناه لا تفارقان هاتفه النّقال، ينتظر اتصالا مهمّا من مهرّب سوري تعرّف عليه في ساحة “أكساراي” الشّهيرة. “لقد جرّبت الفرار عن طريق البرّ ولم أنجح، كما سلكت طريق البحر وتمّ اعتقالي وسجني من قبل اليونانيين، الآن سأعبر جوّا إلى الجبل الأسود. هم يشترطون اللغة الفرنسية أنا أتكلّم الفرنسية بطلاقة.. “mon frère, tu vois cette vie de merde”، يمزح ياسين وهو يوجه كلامه إلى كاميرا هسبريس.

حذاء رياضي من نوع “إرماكس” ونظارات سميكة وتسريحة شعر عصرية ومحفظة مصنوعة من الجّلد الممتاز يضعها على كتفه، كلها مظاهر تعطي الانطباع بأنّ الشّاب الواقف أمامنا يعيش حياة رغد وترف. “أخويا أنا باغي نحرك حيت عندي مشاكل في المغرب. وقع لي مشكل مع بوليسي ضربتو وبقا تابعني”، يبدأ ياسين سرد قصّته التي تختلف عن باقي القصص، قبل أن يضيف: “أنا عائلتي ميسورة وأحصل على 5000 درهم كل أسبوع.. العائلة في المغرب تتكفّل بكلّ شيء”. يحكي هذا الشّاب الذي خاطر بحياته من أجل الوصول إلى “تيسالونيك” أنّ العسكر اليوناني بالغ في تعذيبه، لا لشيء سوى لأنه كان يرتدي ملابس نظيفة وماركات عالمية.. “لقد كانوا يضربوننا ويعذّبوننا داخل مركز الاعتقال، كانوا يقدمون لنا بقايا الطّعام، وكانت الكلاب تحرس أنفاسنا. كما كنا ممنوعين من المراحيض. ببساطة كنا ننتظر الموت…”.

بعد فشله في العبور برّا إلى اليونان، قرّر ياسين أن يلجأ إلى خطّة أخرى، وهي الحصول على جواز سفر مزوّر يُمكّنه من الوصول إلى الجبل الأسود. “طلب منّي المهرّب مليون ونص للحصول على فيزا مزورة، أنا الفلوس مكيهمونيش، بغيت نخوي تركيا”، يقول الشاب، مضيفا: “العبور إلى اليونان عبر النّهر مليء بالمخاطر وأنا لا أقدر على مغامرة جديدة. لقد شاهدت قاربا يقلّ مغاربة من القنيطرة و’كازا’ تعرّض لقصف عشوائي من قبل اليونانيين. كما رأيت، والله شاهد على ما أقوله، جثة مهاجر سوري كان بجانبي استهدف الرّصاص رأسه. وطفلة سورية غرقت أمامي، أنا لا أريد أن أعيش نفس التّجربة ونفس الدّمار النّفسي الذي خلّفته”.

جثّة متجمّدة في الحدود..”النّاتو” يقتل مغربيا

“راه الدّعوة صعيبة في الحدود، أنصحك ألا تذهب إلى هناك. أنت لا تتوفّر على ترخيص تصوير ولا ورقة اعتماد دولية”، هكذا تحدّث إليّ زميل مغربي يشتغل في التّلفزيون التّركي، محاولا إقناعي بعدم الذّهاب إلى إقليم إدرنة المشتعل. أفهمني الزّميل المقيم في إسطنبول منذ أكثر من ستّ سنوات أنّ السلطات التّركية لن تتوانى في اعتقالي إذا اقتحمتُ الحدود، وأن الطّريق لن تكون سالمة بالطّريقة التي أرتضيها. لم أكن أولي أهمية كبرى لنصائح الزّميل الذي يشغل منصبا حسّاسا داخل التّلفزيون التّركي، كانت الأفكار في رأسي تتراقص ولم أنتبه للهاتف الذي ظلّ يرنّ لدقائق. رقم مجهول يحاول الاتصال بي على “واتساب”، كان صوت المتحدث مخنوقاً ومكسورا: “أخويا نتا صحافي من المغرب..أخويا راهم قتلو واحد المغربي حرّاك مات مسكين في الحدود..”.

تلقّيت اتصاله في حدود السّادسة مساء..كان صوته مبحوحاً ومتقطعاً..فهمت أنّه، وبسبب قوّة الصدمة وهول النّازلة لم يعد يقوى على الكلام، لقد توفّي للتّو أحد مرافقيه من المهاجرين المغاربة في الحدود اليونانية بعدما كان يحاول الوصول إلى السّياج الحدودي؛ طلقة “عشوائية” أصابت رأسه وأردته قتيلا. يحكي يوسف أنّ “رفيق دربه” حاول أن يتجاوز السّياج الحدودي بعدما عبر النّهر، إلا أنّ رصاصة من جيش “النّاتو” شلّت حركته. دقائق قليلة، يرنّ الهاتف..يصلني صوت سيّدة: “ولدي نتا لي عندي ف هاد الدّنيا…بغيت وليدي يرجع..بغيت نبوسو ونشوفو..أنا مزاوك بغيت ولدي ندفنو حدايا”.

تبدأ القصّة أواخر عام 2019، عندما قرّر الشّاب المغربي المتوفّى عند الحدود، ويدعى “عادل غزال”، يبلغ من العمر 30 سنة، وكان يعيشُ رفقة عائلته بمدينة الدّار البيضاء بحي بنجدية، لكنه قُتل برصاص الجيش اليوناني بعدما اقتحمَ الحدود الفاصلة ما بين تركيا واليونان، (عندما قرّر) أن يأتي إلى إسطنبول من أجل العبور إلى أوروبا عبر اليونان، وكأيّ حالم بغد أفضل قرّر أن يسلك الطّريق الأصعب في مسارات “الحريك”..يحكي مصدر مقرّب من عائلته: “بعد أن يئِس من البحث عن عمل، وفشل مرارا في تسلق حلمه عبر بوابة جبل طارق، قرّر هذه المرّة الوصول إلى أوروبا عبر الحدود اليونانية التّركية”.

قدم الشاب إلى معقل اللاجئين والمهاجرين والمطرودين من أوطانهم بسبب الحروب وفساد الأنظمة والحكومات…أخذ مكانه بين المنبوذين بالقرب من الحدود اليونانية التّركية ينتظرُ الفرصة المواتية لينقضّ على حلمه..صار حلمه حقيقة الآن..يكفي خطوة..خطوتين..صارَ الحلم واقعياً…كان يركض بكاملِ قواه.. تخطى “نهرَ الموت” الذي يفصل الحدود التركية اليونانية على بعد أمتارٍ قليلة من “الحلم الأوروبي”، وقبل أن يستنشق أولى “نسائم” أحراشِ أوروبا باغتته رصاصة الجيش اليوناني مستهدفة رأسه.. سقطَ مضرجا في دمائهِ وفي جوازه منفياً بعيدا عن الوطن…

اليوم الموالي، حاولت الاتّصال بقنصلية المغرب بإسطنبول، لمعرفة آخر الأخبار عن الشّاب الذي لقي حتفه بالقرب من الحدود مع اليونان. وأكّد القنصل العام محمد إفريقين في توضيح لـ هسبريس أنّه “من الصّعب إعادة جثة الضّحية إلى المغرب في الظرّوف الصّحية التي يعرفها العالم بسبب كورونا”، مبرزا أنّ “الطلقة النّارية لم تستهدف رأسه وإنما تحت عنقه”؛ كما شدّد على أنّ “القنصلية تتابع وضع المهاجرين المغاربة العالقين في تركيا، خاصة الذين يعيشون في ظروفٍ صعبة”، موضحا أنّ “هناك أرقاما مفتوحة على مدار اليوم لاستقبال طلبات المغاربة واحتياجاتهم”.

ورغم تحرّكات القنصلية ومختلف الأجهزة الدّبلوماسية المغربية في أنقرة، فإننا لم ننجح في إعادة جثة المواطن المغربي إلى الوطن، وظلّت في ثلاجة الموتى بالقرب من الحدود لما يزيد عن عشرين يوما، وفقا لمصادر قريبة من عائلة الضّحايا. وتحدّث إلى شخص فلسطيني يدعى عمّار أبو سلمى، يشتغل في مكتب الدّفن، أكّد أنه قام بتغسيل الرّجل وفق الطقوس الإسلامية، وأنّه يحتاج موافقة العائلة لبدء إجراءات الدّفن. بعد أيّام من التّفكير، قرّرت والدة الضّحية دفنه في مقبرة قريبة من إسطنبول، بالضبط في مقبرة “كيليوس”cometiere kilyos ضواحي إسطنبول (حوالي 35 كلم).. هنا استقرّ به الحال..بعيدا عن الوطن، وعن حضن الوالدة، وعن دروب “كازا بلانكا”..أصبح الآن تحت التّراب..بعدما رفضه وطنه، أصبح مجرد رقم في مقبرة مجهولة على أطراف إسطنبول…بينما أصدقاؤه ممن نجوا من ويلات “معسكرات اللجوء” مشتّتون وحائرون، لا يعرفون متى ينجلي هذا الكابوس المروع.

لقد شكّل خبر رحيل “غزال” صدمة كبيرة وسط المهاجرين المغاربة. لا يمرّ يوم دون أن يتحدث هؤلاء عن هذه الخسارة المؤلمة، في أحاديثهم الحميمة ووسط مشاكلهم اليومية، كان من الضّروري أن يتذكروه وأن يدعوا له بالمغفرة والرّحمة، وبقدر ما خلّفت وفاته أجواء من الصّدمة، بقدر ما أثّرت في نفسية العديد من رفاقه، بعضهم لم يعد يريد أن يخطو خطوة واحدة في اتّجاه الحدود، بينما فضّل آخرون الاستمرار في البحث عن أمل مفقود وسط زحمة أخبار الموت الكثيرة..

هسبريس ترافق “حرّاكة” إلى الحدود

بعد أخذ ورد، قرّرت أن أتوجه إلى الحدود. وقبل موعد الرّحلة إلى “إدرنة” كان لزاما عليّ أن أزور مكتب الإعلام الدّولي التابع لوزارة الدّاخلية من أجل الحصول ترخيص إداري يسمح لي بدخول المخيّم وتصوير المشاهد والأجواء في الضّاحية الحدودية. كان المكتب يتواجد غير بعيد عن منطقة تقسيم، في الطّريق، جلس إلى جانبي رفيقي رشيد الذي ظلّ معي في كل أطوار التّحقيق، سألته عن طرق التّهريب الأخرى التي يعتمدها المهاجرون، يقول إن “هناك شبكات تنشط في حيّ أكساراي يمكنها أن تنقلك إلى هناك عبر الشّاحنة، يكفي أن تتوفّر على النقود وتجد نفسك داخل المخيّم”. تتم العملية كالتّالي: “تنقلك سيارة من إسطنبول إلى إدرنة ثم تجد في انتظارك هناك وسيطا يعرف جيدا مسالك الطّرقات وهو من يتكلّف بنقله برّا إلى أقرب قرية يونانية. تكفي ساعات من المشي لتجد نفسك داخل مخيم “تيسالونيك” أو قرية لافرا أو ديماتيكو؛ هناك أيضا ستجد بعض المهربين السّوريين الذين ينقلونك إلى مقدونيا بتعويض مالي يصل إلى 3 ملايين سنتيم، وتستمرّ الرحلة إلى أن تصل إلى بلغاريا والنمسا”.

ولجت مكتب مديرة قسم الإعلام الدّولي وسط مدينة إسطنبول، كانت سيّدة في غاية اللّباقة، فهمتُ من خلال الملفات الموضوعة على مكتبها أن ممثلين عن وسائل إعلام دولية مرّوا من الإجراءات نفسها للحصول على التّصاريح اللازمة للذهاب إلى المعبر الحدودي في إدرنة، كما فهمتُ أن العملية برمّتها بسيطة ولن تتطلب سوى دقائق من العمل. ”يجب أن تتوفّر على شهادة إدارية مقدّمة من السفارة التّركية في الرّباط، وشهادة إثبات من السفارة المغربية في أنقرة، وبطاقة اعتماد من المؤسسة التي تشتغل فيها، وصور فوتوغرافية ومطبوع من وزارة الداخلية التركية”.. كانت هذه الوثائق التي تشترطها مصلحة الإعلام الدّولي للسماح لك بزيارة المخيم وتصوير الأوضاع هناك.. وعندما سألتها عما إذا كانت هناك من تسهيلات ردّت بحزم شديد: “لا ليست هناك تسهيلات.. هذه إجراءات ضرورية”.

لم يكن هناك من خيار آخر سوى انتحال صفة “حرّاك” والذّهاب إلى الحدود كأيّ مهاجر سئم الحياة ويريد تغيير حاله. لأول مرّة أجدني أذهب عند حلاق سوري في حيّ فاتح وسط إسطنبول من أجل حلق شعري بطريقة عصرية حتى أبدو بمظهر المهاجرين، كان يتعيّن عليّ أيضا أن أصبغ شعري قليلا حتّى أصبح أشقر مثل الغربيين، هكذا لن يتعرّف عليّ أحد ولن تقف في طريقي أيّ دورية أمنية كانت أو عسكرية.

كان مشهد تكديس المهاجرين السّوريين والأفغان داخل مخفر صغير للشّرطة التركية آخر ما رأته العين، قبل أن نلتحق بالحافلة التي ستنقلنا إلى مدينة إدرنة الحدودية، حلم أيّ مهاجر قادم إلى تركيا. لم تكن هناك أيّ إجراءات مشدّدة قبل ولوجنا الحافلة. في مركز التّسجيل، طلبوا منا نسخة من جواز السّفر وتكاليف الرّحلة التي قاربت 200 ليرة. عدا هذه المحادثة التي جمعتنا مع مسؤول تركي داخل المحطة لم يعترض أحد طريقنا صوبَ الحدود التي باتت قريبة، واضحة، تفتحُ ذراعيها لكل حالم.
كان معظم الذين صادفناهم في الحافلة مواطنين أتراكا، كبارا في السّن، يبدو من مظهرهم أنهم من البدو، يتحدّثون بصوت مرتفع ولا يعيرون أي اهتمام للغرباء الذين يتقاسمون معهم مشقّة الطّريق الطّويلة، وساعات المسير المتردّد صوب الحدود. من بين الرّكاب، طلّ علينا “أمين” (20 سنة) مغربي من مدينة الدار البيضاء قدم من الحيّ المحمدي ويطمح إلى الوصول إلى أدرنة. “كنت أتابعكم من بعيد، وعرفتكم مغاربة..حتا نتوما حاركين إلى اليونان؟ (هل ستهاجرون إلى اليونان؟)”.

في الطّريق إلى الحدود، حاولت التّقرب من “أمين”، الشّاب “الكازاوي” الذي فقد الكثير من وزنه.. “انظر، هذه الصّورة في مدينة الناظور، حيث كنت أحاول العبور إلى مليلية”. يحكي أمين وهو يتأسّف لضياع عمره في البحث عن طريق للهجرة إلى أوروبا، مردفا: “التكرفيص.. نعيش مشرّدين في إسطنبول. 20 يوما من الطريق، ولمّا وصلنا إلى تيسالونيك اليونانية ألقى الجيش اليوناني القبض علينا.. تعرّضنا لحصص من التّعذيب الجسدي وكانوا يهددوننا بالاغتصاب، ولما يعرفون أنك مغربي يغضبون أكثر، ثم بعد ذلك أعادونا عراة إلى النّهر”، ويضيف: “غادي نضرب هاد الضّربة، إذا ماجابش الله سأعود إلى الوطن، لأجمع المال ثم آتي إلى تركيا لأحاول مرة أخرى”، وزاد: “لم أعتمد على مهربين. ذهبت لوحدي، كنت أنام في الغابة وأشرب من مياه الأودية”.

“أخويا الظّروف صعبة للغاية، ولم تكن مواتية تماما، كنت أشتغل بـ500 درهم في الأسبوع لمّا كنت في المغرب. الحالة ضعيفة. اخترت هذه الطريق (يقصد إدرنة) بناء على توصيات أصدقائي الذين مروا من نفس الطريق ووصلوا إلى إيطاليا. 6500 درهم ‘جبتها معايا’. التقيت مع ‘حراك’ مغربي. اليوم الموالي أخذ منا 1000 درهم استعدادا للرحلة الكبرى. ذهبنا إلى أدرنة.. فشلنا بسبب الدوريات الأمنية الكثيفة، ورجعنا إلى إسطنبول وقضينا أياما نستعد للرحلة الثانية، وها أنا أجرّب مرّة أخرى بنفس الشّغب، وبنفس الطّموح”، يقول أمين.

عند اقترابنا من منطقة “أوزون أبرو” المحاذية لـ”نهر الموت” الذي يفصل بين تركيا واليونان، صعد إلى الحافلة ضابط درك تركي، كان يتحدث مع السّائق بعصبية كبيرة، لم أفهم من كلامه سوى كلمة “إدرنة”. طلب الضّابط ذو الوجه العبوس من المواطنين الأتراك أن يدلوا ببطاقتهم الوطنية، فهمت هذا الأمر بعدما قام مواطن تركي كان يجلس بجانبي من الجهة اليمنى بإخراج بطاقته الوطنية من معطفه الصّوفي، بعد هنيهة، وقف الضّابط أمامي مباشرة وتفوّه بكلام لم أفهمه أخرجت جواز السّفر وقلت له بالإنجليزي: “أنا من المغرب، من فاس..أنا سائح”. لم يفهم الضّابط شيئا وطلب منّي مغادرة الحافلة. كنّا أربعة شبّان ورجل ستّيني يحمل جنسية فلسطينية.

تركتُ الحافلة كما طُلب منّي وأخذت حقيبتي وأغراضي ووقفت أنتظر مصيري الذي أصبح بيد ضبّاط أتراك يحملون أجهزة اتصال لا سلكي ومعدّات عسكرية أخرى. تحدّثت إلى زميلي المصوّر ليخبئ آلة التّصوير التي يضعها في حقيبته اليدوية، لكن الضّابط فطن للأمر، وطلب من الزّميل المصور أن يفتح المحفظة.. الدّقائق تحوّلت إلى ساعات، سينفضح أمرنا وسيتم اعتقالنا في سجون بعيدة، سيعرفون أننا صحافيون وأننا نتوجه إلى الحدود من أجل تصوير مشاهد حسّاسة. أخرج الضّابط آلة التّصوير وصرخ بأعلى صوته، تجمّع الضّباط من حولنا، وأصبحنا نحن الاثنين من أخطر العناصر في تلك المجموعة. قام الضّابط الدّركي بتصوير معداتنا وجوازي سفرنا وتاريخ الدّخول إلى تركيا، كما قام أيضا بتصوير وجهينا الشّاحبين، ولم ننبس ببنت شفة.

كانت السّاعة تشير إلى تمام الرّابعة مساء. المكان بالقرب من منطقة “حفصة” Havsa الحدودية، على بعد أمتار قليلة من السّد الأمني، كانت تظهر أطلال ثكنة عسكرية، أسوارها بارزة وأبوابها مشرّعة، نباح الكلاب كان يزيد المكان وحشة. أخذت هاتفي النّقال وحاولت الاتصال بزميلي الذي يشتغل في التلفزيون التركي علّه يرشدني لطريقة تساعدني على الخروج من هذا المأزق، وفي اللحظة التي كنت أنقل له تفاصيل الوضع، وقف ضابط تركي أمامي مباشرة مصوّبا رشّاشه الخفيف في اتّجاه رأسي. كان المساء حلّ علينا ونحن منبطحين على أرض شبه عارية تحوّلت مع استمرار تدفّق المهاجرين القادمين عبر الشّاحنات والحافلات إلى ما يشبه “مخيّما” مفتوحا على السّماء. أقيم على بعد كيلومترات من مدينة حفصة الحدودية. هذه المرّة الأولى التي أجد فيها نفسي في مواجهة الموت، خاصة أن لي ذكريات “حزينة” مع قصص مهاجرين مغاربة قضوا حتفهم قريبا من مكان تواجدنا.

صرخ الضّابط في وجهي بقوّة وطلب منّي أن أعطيه هاتفي، لكني رفضت، ثمّ ذهب عند زملائه وهو يجر أقدامه ببطء شديد. في تلك اللحظة، وعند اقتراب وقت المغيب، كان بعض المهاجرين الأفغان المعروفين بشعرهم الطّويل وملابسهم الفضفاضة بصدد إشعال النّار في أحد البراميل المتواجدة في المنطقة، لمواجهة قرصات الباردة التي تضرب المكان. فكّرت في أنني كنت أتوفّر على نسخة من جريدة “لوموند”، كنت أطالع محتواها بين الفينة والأخرى، ناديتُ على أحدهم وقدّمت له الجريدة وقلت له: “ستساعدك على إشعال النّار”.

كان المشهد خانقاً للغاية، أطفال صغار قدموا من الحدود السّورية التركية كانوا يفترشون الأرض إلى جانبي، يلهون ويمرحون غير آبهين بالوضع الذي نحن فيه، بينما كان بعض التونسيين يبحثون عن “الكرطون” من أجل الوقاية من البرد. في تلك اللّحظة، التقيت يونس وهو شاب من مدينة تطوان تمّ إنزاله هو الآخر من الحافلة التي كانت تقله إلى الحدود. ظلّ الشّاب العشريني منبطحا على الأرض رغم برودة الأجواء. كان الجوع قد نال منّا، ولم نجد ما نأكله سوى حبّات “الفقاص” التي أعدتها والدة زميلي المصور، سفيان بالكوري. الذي عندما أخرج علبة الحلويات وجد نفسه محاطا بعشرات المهاجرين الذين كانوا يبحثون عن شيء يسدّون به جوعهم.

انطلاقا من حديثي مع أحد المهاجرين السّوريين فهمت أنه “يتم إنشاء منطقة تجمع جديدة على الحدود اليونانية التركية في ما يعرف بمنطقة ‘الجسر الكبير’ أو النهر الكبير، كانت كلّ آمال المهاجرين المحتجزين أن يتم تجميعنا في تلك النّقطة الحدودية، وألا يذهبوا بنا إلى جهة الوادي، وقد كانت هناك تطمينات من الضباط المشرفين على تجميع الناس أن هناك تعليمات عليا من أجل نقل المهاجرين إلى برّ الأمان، ولن يكون هناك أي اعتداء على أي أحد، وفهمت أنه يتم منع المهاجرين من الوصول إلى المعبر وتجميعهم في ‘باصات’ وإرسالهم إلى منطقة أوزون أوبرو، حيث يتم تخييرهم هناك بين العودة إلى إسطنبول أو العبور عن طريق النهر إلى اليونان. الخيار الثّاني كان خطيرا وغير محسوب العواقب.

مرّت سبع ساعات ونحن ننتظر قدوم الحافلة التي ستقلنا إلى “نهر الموت”، نفد صبر بعض المهاجرين الذين بدؤوا بالصّراخ والعويل، كان بجانبي الحاج أحمد، فلسطيني يؤمن بالقومية والأفكار الاشتراكية، ويريد الموت لـ”أمريكا”، قدم من الحدود السّورية التّركية، ويريد الوصول إلى ألمانيا، “الأرض المقدّسة والطّاهرة”، كما يقول.. هناك سيبني حياته وسيستعيد أمجاده. يبدو الرجل من كلامه أنّه مرّ من تجربة قاسية، ولم أكن أريد فتح “الفواجع”، كانت لحظة “سكون” وترقّب مشوب بكثير من الحذر، سألني الفلسطيني بنبرة استسلام خانقة: “هل تعلم أن الأتراك لا يعرفون الحبّ؟ إنهم يصدّرون أفلامهم الكاذبة إلينا حتّى نصدّق أنهم رومانسيون وحالمون…إنهم عصبيون ولا يتحدّثون إلا التّركية، هل يمكن العيش مع هؤلاء في سلام؟ ظلّ الفلسطيني ينثر في الكلام وينفث دخانا من سيجارته الوحيدة. أمّا أنا فرُحت أفكر في السّاعات القادمة، في الموت وأهوال الحدود والنّهر والجثث ورصاص اليونانيين وحماقات جيش “النّاتو”…

في الجهة المقابلة، يستمرّ توافد الوحدات الأمنية والعسكرية التّركية إلى مكان تجمّع المهاجرين، السّاعة تشير إلى التّاسعة مساء، ولا أخبار عن موعد الرّحيل. يقول الضّباط إن الأمر موكول لرؤسائهم، هم من سيقرّر في أمرنا. وبينما كان الجميع منشغلا بأغراضه وهمومه وأحلامه، حاول مهاجر تونسي أن يقفز على السّياج ويهرب في اتجاه الحدود، إلا أن ضابطين تمكّنا من شلّ حركته. حاولتُ أن أقترب من شابّين كانا معزولين عن باقي المهاجرين، فهمت في ما بعد أنّهما من مغاربة منطقة بني بوعياش في الرّيف.. رشيد المرابطي (31 سنة) يعرف كيف يتأقلم مع الأوضاع، يفكّر في خطيبته التي تركها في الحسيمة: “لا أريد أن أعود مهزوما إلى المغرب، أريد العودة ورأسي مرفوع”.. يحكي رشيد: “في المرّة السّابقة، ألقت الشّرطة القبض عليّ عند مدخل مدينة إدرنة، لكن سرعان ما تركتني لحالي. توّجهت بعد ذلك إلى النهر المليء بالمهاجرين السّوريين والأفغان والجزائريين، وهناك التقيتُ بمهرّبين تركيين.. هؤلاء يرغمونك على ركوب القوارب ويأخذون أموالك، ثمّ يتركونك فريسة لجيش ‘النّاتو’ الذي يتكلّف بنقلك إلى مراكز تابعة للجيش اليوناني”.

في تلك اللّحظة الفارقة المتحرّرة من كلّ الحواجز النفسية والهواجس التي تسكن العقل والقلب، تظهر الحافلة التي ستقلّ الفوج الأول إلى “نهر الموت”. كانت السّاعة تشير إلى العاشرة مساء، تبدأ إجراءات التّسجيل وأخذ المعلومات الضّرورية، ثمّ بعد ذلك، أمرونا بالصّعود إلى الحافلة، إلى أين؟ “ستعرف في ما بعد”، يقول الضّابط “ذو الوجه العبوس” وهو يدفع المهاجرين لإجبارهم على مغادرة المكان. أخذتُ مكاني في الحافلة غير بعيد عن السّائق الأربعيني الذي يبدو عليه التّعب، بعد التّأكد من جميع المعطيات، أمر رئيس الخلية الأمنية سائق الحافلة بالتّحرك.

داخل الحافلة، كان الجوّ “جنائزيا”، حوالي 45 مهاجرا من جنسيات مختلفة ودول بعيدة يتقاسمون الحلم نفسه وينتظرهم المصير نفسه، مصيرهم يعرفه شخص واحد، هذا السّائق الذي لا يريد الحديث مع أحد، يسوق حافلته التي يعرفها وتعرفه إلى وجهة حدّدتها سلطات “أنقرة”. تسير الحافلة وسط الظّلام، لا وجود لأيّ إشارة ضوء.. يرتفع “شخير” بعض المهاجرين الذين غلبهم النّوم، بينما الحدود تتراءى أمامنا مثل شبح سيأخذ أرواحنا ويُجهز على أحلامنا. كنت أفكّر في الوالدة التي عارضت فكرة السّفر إلى تركيا، ماذا لو وقع لي مكروه؟ أكيد أنّها ستفقد عقلها. كما كنت أفكّر في “غزال” الشّاب المغربي الذي قُتل عند “نهر الموت”..صور جثّته تملأ ذاكرتي، لا أريد أن أموت وأنا على الحدود. كانت هذه الفكرة تخيفني وتزيد من توجّسي من القادم.

تمضي الحافلة إلى وجهتها بسلام منقطع النّظير، مررنا على ثلاثة سدود أمنية ولم تتوقّف العربة، كان رجال الأمن يلوّحون للسّائق ويفتحون له الطّريق برشاقة كبيرة، كما لو أنّه يحمل “سجناء” منبوذين كانوا يخططون لأعمال خطيرة ولم يستفيدوا من عفو الحاكم، كان يمضي بهم إلى حبل المشنقة. كان ينقص المشهد جمعٌ من النّاس والفضوليين الذين ينتظرون بصبر كبير وصولنا، حتّى تكتمل صورة “مشهد الإعدام”.

بعد حوالي ثلاث ساعات من المسير، تتوقّف الحافلة فجأة عند محطّة “أوزون أوبرو”، صعد شخص تركي يتحدّث اللّغة العربية، يحمل في يده مكبّر صوتي يملؤه الصّدأ. “من أراد العودة إلى إسطنبول، ينزل من الحافلة فوراً ومن أراد الذّهاب إلى النّهر ليبقى في الحافلة”، يقول صاحب مكبّر الصّوت. نزل من الحافلة حوالي 20 شخصا وكنت أنا من بينهم، أمّا باقي المهاجرين ففضّلوا البقاء في مكانهم والاستمرار في المسير صوب “نهر الموت” على متن الحافلة نفسها. كانت السّاعة تشير إلى السّاعة الخامسة والنّصف صباحا لما وصلت إلى إسطنبول، نزلت في ميدان تقسيم واتجّهت مباشرة إلى فندق قريب. لم أستطع النّوم، فقد اجتاحتني موجة من الأفكار الهدّامة والكوابيس التي عشتها في “طريق الحدود”.

بعد مرور يومين، توجهت إلى ميدان “أكساراي”، المكان الذي يجتمع فيه المهاجرون العائدون من الحدود، هناك التقيت “مصطفى” (25 سنة) ابن مدينة واد زم المغربية، كان معي في الحافلة التي أقلّتني إلى الحدود، وكان من بين الذين فضّلوا مواصلة المسير إلى “نهر الموت”.. كان أوّل سؤال توّجهت به إليه هو ماذا حصل بعد نزولنا في “أوزون أوبرو”؟ ولماذا عاد إلى إسطنبول؟.. يحكي الشّاب المغربي أنّ “الحافلة أقلّت البقيّة في اتّجاه النّهر ووضعتهم بالقرب من تجمّعات سكنية صغيرة”، وزاد: “الأمر كان يشبه قرية معزولة لا إنارة فيها ولا سكّان، تركونا هناك بدون أيّ حماية. مشيت طويلا في طريق تؤدّي إلى جسر بينما كانت دوريات الأمن تمشّط المنطقة وتطارد المهاجرين، كنّا نمشي فوق أراضي فلاحية وغابات من أجل اختصار الطّريق، كنّا قرابة عشرة أشخاص، كانت صافرات الإنذار مدويّة كأننا نعيش أجواء حرب”..أفهمني مصطفى أنّ الحافلة التي كانت تقلّ المهاجرين توقّفت بعيدا عن النّهر، وأمر سائقها الجميع بالنّزول في إحدى الغابات القريبة من الحدود.

ويضيف الشّاب المغربي العائد من جحيم الحدود أنّ دورية للجيش التّركي كانت تراقب الشريط الحدودي تمكّنت من إلقاء القبض عليه بمعيّة مهاجرين آخرين، غالبيتهم سوريين. ”قاموا بتفتيشنا وأخذوا أمتعتنا وهواتفنا وأموالنا التي كانت مخبّأة بعناية في السّروال. كانت معي حوالي 400 أورو أي (4000 درهم).. أخذونا بعد ذلك إلى مكان يشبه السّجن، حيث يجتمع عشرات المهاجرين في ظروف لا إنسانية صعبة. لقد جرّدوني من ملابسي وبقيت بـ’الكولون’، بينما كانت رائحة العرق تملأ المكان.. جميع أنواع البشر من شتّى الجنسيات ينتظرون مصيرهم، كأنها القيامة. الكل ينتظر ماذا سيفعل بهم الأتراك. بعد ذلك توجّهوا بنا عبر حافلة إلى النّهر الحدودي، ورمونا كسلعة غير صالحة ومتعفّنة. حاولت أن أجتاز النّهر لكنّي لم أقدر، حيث كانت قوات جيش النّاتو ننتظر الواصلين إلى التراب اليوناني، وهؤلاء لا يرحمون..قرّرتُ العودة إلى إسطنبول والاستعداد لرحلة جديدة في اتجاه الحدود، هل تريد أن ترافقني؟”، يسألني صديقي مصطفى دون أن يعرف أنّني صحافي، جئت إلى تركيا من أجل مهمة عمل.

مثليون وسجناء

وفقا لمعلومات حصلت عليها جريدة هسبريس فإنّ الظّروف الصّعبة التي عاشها المهاجرون المغاربة، خاصة خلال جائحة “كورونا”، دفعت بعضهم إلى الخروج إلى الشّارع والبحث عن شبكات تنشط في مجال الدّعارة، خاصة على مستوى منطقة تقسيم وشارع الاستقلال. ووفقا للمعطيات ذاتها، يوجد في تركيا حوالي 1500 شاب مغربي جاؤوا إلى إسطنبول من أجل “الحريك”، بينما تحوّل العديد منهم إلى “مثليين” بسبب الإغراءات المالية التي يحصلون عليها مقابل عملهم. وقد التقت هسبريس بـ”زهير” من منطقة هوارة يقطن في منطقة “أكساراي”، يعرض خدماته الجنسية مقابل 200 ليرة (250 درهما) يحصل عليها عند انتهاء العملية. “أخويا تحنسرت ومبقاوش عندي فلوس وخرجت للزنقة”، يقول زهير، مضيفا: “عندما كنت في المغرب، لم أكن متيقّنا من ميولاتي الجنسية، كنت أمارس الجنس مع النّساء فقط، لكن عند قدومي إلى إسطنبول أصبحت أبحث عن الرجال، أصبحت أعرض جسدي للرّجال، خاصة الأتراك والسّوريين”.

في شارع تقسيم، تشدّك مشاهد مثليين سوريين وعراقيين يقفون بجانب حيطان فعلت فيها الرطوبة فعلتها، أزقّة متّسخة مكتظّة بالسّكارى والعاهرات وبعض سماسرة الجنس وآخرين يقدّمون لك “العازل الطّبي” بالمجّان.. “بدّك صبيّة يا حلو” “تعال هون” “تعال يا وحش”.. وسط هذه المشاهد القاتمة، التي تتكرّر على طول أزقة شارع الاستقلال الشّهير وسط إسطنبول، التقينا “حسام”، كان قد خرج لتوّه من منزل يحرسه رجلان ضخمان، كان يمسح عرقه المتصبب من جبينه.. هذا الشّاب المغربي يحاول أن يجد مكانا له في هذا العالم اللامحدود المليء بالمخاطر، وقد بدأ يتأقلم مع الوضع الجديد. “لم أجد ما آكله. هل أموت جوعا؟ لم يعد لديّ ما أخسره. خرجت إلى هذا الطّريق عن طيب خاطر وسأعود إلى الله عندما أحلّ مشاكلي”، يقول المثلي المغربي الذي لم تمض على تواجده في إسطنبول إلا أشهر قليلة. لم يكن “حسام” يريد أن يتقاسم معنا تفاصيل معاناته، فقد كان يبدو محطما وفاقدا للرّوح والحماسة.

ووفقا لوكالة الهجرة الدّولية، تشهد أعداد المهاجرين القادمين من تركيا إلى الاتحاد الأوروبي عبر اليونان انخفاضا حادا. فوفقا لتقرير سري صادر عن مفوضية الاتحاد الأوروبي، هناك انخفاض بنسبة 70 بالمائة خلال الأشهر التسعة الأولى من هذا العام (2020) مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

وانخفض، بشكل لافت عدد المهاجرين غير القانونيين الواصلين من تركيا إلى أوروبا خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2020. فوفقا لتقرير إعلامي نشرته وكالة “infomigrant”، “بلغ عدد الواصلين إلى من تركيا إلى الاتحاد الأوروبي 14579 عام 2020″، حسبما نقلته صحيفة “دي فيلت” عن تقرير سري صادر عن مفوضية الاتحاد الأوروبي والدائرة الأوروبية للعمل الخارجي.

ووفقا للوثيقة، انخفضت محاولات الدخول إلى أوروبا غير القانونية عبر تركيا بشكل واضح مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. فبينما بلغ عدد الواصلين العام الماضي 48554 شخصا، جاء هذا العام 11921 شخصا إلى اليونان و2334 شخصا إلى إيطاليا و35 إلى بلغاريا و289 إلى قبرص عبر قوارب الهجرة.

وإذا كان بعض المهاجرين المغاربة قرّروا حزم أمتعتهم ومغادرة التّراب التّركي بدون رجعة بسبب فشلهم في الوصول إلى بعض دول العبور إلى “الحلم الأوروبي” مثل ألبانيا ومونتينغرو، فإنّ آخرين لم يحالفهم الحظ في مجاراة واقع صعبٍ في بلاد الأتراك، وجدوا أنفسهم قابعين في زنازين تركية بعيدة. وتنتظر بعض الأمّهات بفارغ الصّبر قرار فتح المعابر الجوية والمطارات من أجل خوض “معركة” البحث عن فلذات أكبادهنّ بين السّجون في بلاد “الأتراك”، لاسيما أن الأمر يتعلّق بشبان لا تتجاوز أعمارهم العشرين.

ويتابع القضاء التّركي عشرات “الحراكة المغاربة” بتهم مرتبطة بالسّرقة والنّصب والانتماء إلى مجموعات إجرامية لها علاقة بالتّهريب والاتجار بالبشر، حيث شنت السّلطات التركية حملات أمنية واسعة استهدفت مهاجرين مغاربة يعيشون في الهامش التّركي. وتحاول فاطمة (53 سنة) من مدينة الدّار البيضاء، الاتصال بابنها الوحيد، بلعيد ع، المتواجد حالياً في تركيا، دون أن تتمكّن من سماع صوته، فقد تمّ اعتقاله من قبل الشّرطة التّركية، كما تؤكّد والدته في حديث مع جريدة هسبريس.

وتشير والدة المهاجر المغربي الذي قصد بلاد “الأناضول” من أجل العبور إلى أوروبا إلى أنّ ابنها “ترك الوطن رفقة بعض أصدقائه قصد الهجرة إلى إيطاليا”، موردة: “الاتصال انقطع مع ابني لشهور، وفهمت بعد ذلك أنّه اعتقل من قبل السّلطات التّركية”. ويوجد في السّجون التّركية عشرات المهاجرين المغاربة متابعين بتهم مرتبطة بالسّرقة والاحتيال والضرب والجرح. وتبدأ رحلة المعاناة، كما يحكي أحد المهاجرين المغاربة، الذي سبق أن أدين من طرف القضاء التركي بسنة نافذة لارتباطه بشبكة إجرامية تنشط وسط إسطنبول، بتجريد الموقوفين من وسائل الاتصال الخارجي ومن جوازهم وأوراق اعتمادهِم، حيث يصيرُ المرء “مجهول الهوية”، وهو ما يجعله عرضة للاستغلال والانتقام.

مناشدات وآمال

منذ نشر صورهم عراة عند نهر “مريج” بالقرب من الحدود اليونانية التركية، يطالب حقوقيون مغاربة السلطات بـ”انتشال عدد من المغاربة المحاصرين بين الحدود التركية اليونانية، في ظل جحيم إنساني”، جراء ما وصفوه بـ”التعذيب والتحقير الذي يتعرضون له”. ووجه المنتدى المغربي للديمقراطية وحقوق الإنسان مراسلة في الموضوع إلى الوزراء المعنيين داخل الحكومة، والمندوب الوزاري لحقوق الإنسان، ورئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، لكن دون أن تلقى أي تفاعل من قبل الحكومة المغربية.


وعبر المنتدى عن قلقه من استمرار معاناة المئات من المغاربة المتواجدين بالحدود البرية التركية اليونانية، وتحديدا قرب الشريط الحدودي في قرية “بازار كوليه” غرب نهر “ميريتش” الذي يشكل أغلب الخط الحدودي الفاصل بين البلدين، بعدما فتحت أنقرة حدودها وسمحت للمهاجرين بالوصول إلى أوروبا، منتقدا ”عدم إعمال المقاربات الإنسانية والتضامنية والحقوقية، حيث بدل ذلك تم التنكيل بطالبي اللجوء والمهاجرين من المغرب ومن دول أخرى، كسوريا والعراق وأفغانستان ومن بلدان وسط آسيا، والعديد من الأفارقة من دول شرق أفريقيا وآخرين من مصر وتونس وليبيا والجزائر وفلسطين”.

ونددت الهيئة الحقوقية بـ”أساليب التعذيب والضرب المبرح وانتهاك كرامة الأشخاص، بتجريدهم من ملابسهم وتركهم عراة، ليستعينوا بالنار لمواجهة موجة البرد القارس التي تجتاح المنطقة”. وقال حقوقيون مغاربة إن المهاجرين لا يملكون لا الماء ولا الطعام في أبشع انتهاك للقيم الإنسانية، كما تم إطلاق عبوات الغاز المسيل للدموع والنار عليهم، إذ ذكرت مصادر أن الشرطة اليونانية تستخدم ضد طالبي اللجوء والهجرة يوميا ما بين سبعمائة وألف قنبلة غاز مدمع على حدودها البرية والبحرية وتنسيق الهجمات بواسطة طائرات مسيرة، مع ممارسة العنف ضد أشخاص بينهم نساء وأطفال، واعتقالهم بشكل تعسفي، ومصادرة ما بحوزتهم من ملابس وأموال وهواتف ولوازم شخصية، في وقت ترفض تركيا السماح للمهاجرين بالعودة إلى إسطنبول.

وطالب المنتدى الحكومة المغربية بـ “التدخل لدى مصالح الخارجية اليونانية من أجل إعادة المغاربة إلى بلادهم وإنهاء المأساة التي يعيشونها بعد أن فشلت مخططاتهم للسفر إلى أوروبا بطريقة غير نظامية عبر الحدود التركية اليونانية”، كما دعا رئاسة النواب والمستشارين إلى “تشكيل لجنة للقيام بمهمة استطلاعية، من أجل الوقوف على حقيقة ما يعانيه العديد من الأطفال والنساء والمواطنين المغاربة العالقين بتركيا واليونان، مع العمل على حماية المهاجرين المغاربة بالخارج وصيانة كرامتهم وحقوقهم بدول الاستقبال، وإعادة المغاربة العالقين ببعض بؤر التوتر”.

hespress.com