في ورشته الضيقة، التي تطل على ضريح مولاي إدريس بمدينة فاس العتيقة؛ لازال محمد المسكيني يصنع الطربوش الفاسي، المعروف في مختلف أنحاء العالم بـFEZ، باستعمال أدوات قديمة ورثها عن “الطرابشي” مولاي أحمد العلوي، الذي تعلم على يديه هذه الحرفة قبل أزيد من نصف قرن.
يعد المسكيني، الذي يبلغ من العمر 70 سنة، أقدم وآخر صانع بالطريقة اليدوية للطربوش الفاسي في مدينة فاس العتيقة، محافظا بذلك على هذه الحرفة من الانقراض في زمن قل فيه الإقبال على هذا النوع من الطرابيش التي تعد رمزا للأناقة والهوية المغربية.
اضطر المسكيني إلى الانقطاع عن الدراسة من مستوى الشهادة الابتدائية ليلتحق، في نهاية ستينيات القرن الماضي، بورشة “المعلم” مولاي احمد العلوي، ليخلفه، منذ ذلك الحين، في الحفاظ على هذه الحرفة من الاندثار، رغم التحديات التي أصبحت تواجهها صناعة الطربوش الفاسي بالطريقة التقليدية خلال السنوات الأخيرة.
يقول المتحدث نفسه إن الطربوش الفاسي يختلف عن الطرابيش الحمراء التي تشبهه في مصر وتونس وتركيا من حيث الشكل وطريقة الصنع، ويفوقها جودة وإتقانا، مشيرا إلى أن صناعة الطربوش الفاسي بالطريقة اليدوية تمر من مراحل تحتاج إلى الكثير من الصبر والخبرة.
وتبدأ صناعة الطربوش الفاسي، كما أوضح ذلك المسكيني لهسبريس، بصناعة قالب الطربوش انطلاقا من قطع من الكارتون أو حصائر الدوم التي يتم جلبها من آسيا، باستعمال مكواة أسطوانية تسخن على فرن الغاز، ثم يغلف القالب بقطعة مخروطية من القماش الأحمر قبل تثبيت تشكيلة من الخيوط الحريرية، ذات اللون الأسود، تعرف بـ”الشوشة”، على السطح العلوي للطربوش.
وأضاف المتحدث عينه للجريدة أن “هناك عدة أصناف من الطربوش الفاسي، أشهرها الطربوش الوطني الأسطواني، والطربوش المثلث الشكل”، مبرزا أن كل صنف يختص بمناسبة معينة؛ مثل حفل الولاء، والمناسبات الوطنية والرسمية، وحفلات طرب الآلة.
وأوضح المسكيني أن الطربوش المشهور بطربوش محمد الخامس، القصير نوعا ما، يصنع بألوان تنسجم مع لون الجلباب والبلغة (النعل)، مؤكدا أن الطربوش الأحمر الفاسي هو الأكثر إقبالا، “لكونه يناسب الجلباب والجبدور ويزيد صاحبه أناقة”.
“كان الأفارقة يقبلون على اقتناء الطربوش الفاسي، وخاصة في ساحل العاج والسنغال. كما كان لدينا زبناء من تونس ومصر، لكن، خلال السنوات الأخيرة، تراجع الطلب على منتوجنا”، يقول المسكيني موضحا أن مريدي الطريقة التيجانية، الذين يحجون إلى فاس، أصبحوا يكتفون بوضع عمامتهم الكبيرة المزركشة الألوان بدل الطربوش الفاسي.
متحدث الجريدة، الذي أكد أن جائحة كورونا أثرت سلبا على قطاع الصناعة التقليدية في مدينة فاس بصفة عامة، ذكر أن حرفته في تراجع مستمر بعدما أصبح جيل اليوم يفضل الأزياء العصرية، مؤكدا أن الطربوش الفاسي “بهيج” ويعطي الشخص همة وشأنا.
وختم محمد المسكيني لقاءه مع هسبريس بالقول: “الطربوش الفاسي هوية ورمز للأصالة المغربية التي تجسدها مدينة فاس؛ فعندما يرتدي المرء الطربوش الفاسي في أي مكان من العالم، يعرف، من خلال ذلك، أنه من المغرب”.