
تناول الدكتور امحمد امحور في روايته الجديدة “عبور بنكهة اللوز”، الصادرة حديثا عن دار “مكتبة سلمى الثقافية” بتطوان، واحدة من القضايا الاجتماعية القديمة الجديدة التي عاشها المغرب قاطبة والريف خاصة، وهي “الهجرة”، غير أنه اختار زاويته الخاصة في التناول عندما انطلق من عمق الريف في اتجاه الغرب الجزائري.
وأوضحت معطيات حول الإصدار الجديد أنه “يبدو من السهل للقارئ أن يدرك أن الكاتب ريفي انطلاقا من المتن، الذي يحوي كثيرا من الصور والألفاظ والإشارات الدالة عليه”، كما أن “فضاء الرواية المكاني يتراوح ما بين قرية ريفية في قبيلة بني سعيد ومدينة باريكو بالغرب الجزائري. أما زمان الأحداث، فهو النصف الثاني من العقد الثالث من القرن الماضي، الذي شهدت فيه إسبانيا الحروب الأهلية، التي شارك فيها بنعيسى أخ البطل”.
وأضاف المصدر ذاته أن “بطل الرواية هو عمار، الذي يعيش في قرية نائية من قرى بني سعيد، والده هو شعيب، الذي شارك إلى جانب سكان قريته في الحروب التي خاضوها لمقاومة التغلغل الإسباني في الريف، وخرج من هذه المعارك مبتور الساق، فتفرغ لغزل الصوف إلى جانب زوجته”.
عمار لم يتحمل ظروف العيش التي ترزح أسرته تحت وطأتها، في وسط جغرافي قاس، ومردود فلاحي هزيل مهدد دوما بالاضطرابات الجوية، وحياة تقليدية صعبة، وتقاليد تعليمية قاسية تحرم الشباب من التمدرس والتعليم، هذه الظروف يزيدها قسوة وشدة تعسف أفراد الجيش الإسباني على المواطنين. لذا، قرر البحث عن خلاص يريحه من قسوة الحياة، ويفتح أمامه أبواب تحسين أحواله وأحوال والديه وأخته. ويكمن الخلاص في الهجرة نحو الغرب الجزائري، الذي كان ينعم فيه العمال الزراعيون بظروف مهنية أفضل، وبأجور محترمة، وبشروط حياة أكثر حرية وانفتاحا.
وفي رحلة الهجرة التي تهيأ لها بالاتفاق مع صديقيه، وبالتزود بما يقيم أوده، اختار المسار البري الذي يتجه نحو نهر ملوية، الذي كان فاصلا بين منطقتي النفوذ الفرنسي والإسباني واجتيازه يفسح الطريق واسعة للوصول إلى الجزائر التي لا تبعد سوى مسافة قريبة من المنطقة.
لم يكن هذا الاجتياز رحلة سهلة، فقد كان محفوفا بعدة مخاطر، أهمها النهر الذي كان يلتهم ضحاياه من المهاجرين كل يوم، ثم دوريات الحراسة الفرنسية، التي لم تكن تتساهل مع المهاجرين، فكان يلقى عليهم القبض، ويحبسون، ويرغمون على الأشغال الشاقة، ليخضعوا للابتزاز المالي، ثقة من الفرنسيين بأن هؤلاء المهاجرين الضعاف، لا حماية لهم.
وتصف الرواية بدقة هذا العناء الشديد، وعناء التحرر من الأسر الفرنسي، وعناء مواصلة الرحلة إلى المزارع الجزائرية، وظروف العمل الشاقة، وحوادث الشغل التي تهدد العمال الضعاف، والدعم الذي يجده هؤلاء المهاجرون من أبناء قبيلتهم الذين كانوا قد سبقوهم إلى الهجرة إلى الجزائر.
لن يطول المقام بعمار كثيرا في الجزائر، حتى يهل عليه صباح جديد، حيث يتفاجأ بلقاء والده وأمه وأخته الذين بدورهم تركوا قريتهم الفقيرة، وامتطوا جناح المغامرة للهجرة إلى الجزائر، بعدما أعيتهم الحيلة في قريتهم الريفية التي يحاصرها الفقر، وقساوة المناخ، وتعسف السلطة الإسبانية.
والرواية لا تخلو من إشارات كثيرة وغنية حول تقاليد وأعراف الحياة اليومية في الريف إبان الاحتلال، وتوثق لكثير من الجوانب التراثية اللامادية، من عادات وأفكار وطرق الحياة، وشدة النظام التربوي التقليدي، وأدوار المرأة المتعددة في المجتمع الريفي وكفاحها المستميت من أجل توفير شروط الحياة الممكنة لأسرتها.
وقد جعل المؤلف نهاية الرواية مفتوحة، ما يوحي بأن هناك جزء ثانيا يرتقب أن يطرحه الكاتب ليستكمل أحداث القصة في بلاد الغربة.