
في الوقت الذي مازال النقاش حول حرية العقيدة والحريات الفردية في المجتمعات الإسلامية لم يُحسم بعد، كشفت دراسة أن المسلمين كرّسوا مبدأ حرية العقيدة إبّان فترة حكمهم للأندلس، حيث سمح الحكام المسلمون في علاقتهم بالثقافات الأخرى عموما، والثقافة اليهودية على وجه الخصوص، بممارسة الحرية الدينية.
وقالت الدراسة التي أنجزتها سناء الراشدي، أستاذة باحثة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، بعنوان “الأندلس فضاء للتفاعل الثقافي الإسلامي العبري”، نُشرت في المجلة الفكرية المحكمة “نقد وتنوير”، إن “مبدأ حرية العقيدة غلب على الحكام المسلمين في الأندلس، فجسّدوه على أرض الواقع أيما تجسيد”.
وبحسب الوثيقة نفسها، فإن الحكام المسلمين لم يسمحوا فقط، طول مدّة عزّهم ومجدهم بشبه الجزيرة الإيبيرية، بالسماح بممارسة الحرية الدينية، بل شجعوا على الإبداع الفكري، مما أدى إلى عملية تأثير وتأثُّر بين الثقافة الإسلامية والثقافة العبرية والثقافات الأخرى، ما جعل الأندلس فضاء نموذجيا لعمق حوار ثقافي وحضاري متميز.
وسجلت الباحثة أن الحوار الثقافي والحضاري الذي كانت الأندلس فضاء له إبان ذلك العصر، كان قائما على أشكال من التعايش والبحث الثنائي عن الأجوبة الشافية للأسئلة الفكرية والثقافية، التي شملت اللغة والأدب والشعر، وبرز من خلالها شعراء عبريون عدة تأثروا بالثقافة الإسلامية، من قبيل بن النغريلة ويهودا الحريزي، وغيرهما من الشعراء والأدباء الذين ترجموا تأثرهم بالثقافة الإسلامية عن طريق أدبهم وأشعارهم.
وأضافت أن تأثير الثقافة الإسلامية في الثقافة العبرية يتجلى في جملة من المظاهر، منها أن الأدباء والعلماء اليهود كانوا خلال مرحلة بلورة هويتهم يقتفون خطى المنجز العربي، وخاصة في الجانب المتعلق بقوانين النظم وأسسه ذات المنحى الإيقاعي والدّلالي، وإثبات أهليتهم في اقتفاء أثر الأعلام العرب من شعراء وكتاب، حيث برعوا في تدبيج الخطب والمراسلات.
وأشارت الباحثة سناء الراشدي إلى أن التراكم الإبداعي العبري الذي حققته التجربة الإبداعية العبرية لا يخلو من حضور روح عربية كانت سببا في تقوية إشعاعه وامتداده، مستندة إلى شهادة الشاعر والناقد اليهودي يهودا الحريزي، الذي قال في كتابه “تحكمونني”، إن اليهود أخذوا عن العرب المسلمين فنّ صناعة الشعر.
وفي استقرائها لشهادات أعلام الأدب والفكر العبريين في حق المسلمين، خلصت الباحثة الراشدي إلى جملة من الاستنتاجات، منها تلقائية تمازج الشعب اليهودي بالشعوب الإسلامية، والاعتراف الصريح بتمدرس الشعراء اليهود على يد الشعراء العرب المسلمين، وحصر المعرفة الشعرية على العرب دون غيرهم من الشعوب.
وأضافت أن تمثّل اليهود في ذلك الزمن بالثقافة والإبداع الإسلاميين، كان بالنسبة إليهم السبيل الأوحد “لتجاوز هامشيتهم بهدف التموقع داخل المشهد الثقافي، حيث كان من الطبيعي أن يرتقوا بشعريتهم ومعارفهم الفكرية والأدبية من خلال مواصلة احتكاكهم بالثقافة العربية، وهو ما ساعدهم على إثبات أهليتهم في اقتضاء ظاهرة النظْم”.
وبينما تعلو في الوقت الراهن أصوات في العالم الإسلامي كارهة الانفتاح على الآخر، كشفت الدراسة التي أنجزتها الراشدي أن الريادة إبان حكم المسلمين للأندلس كانت ريادة استقطاب ثقافي ومعرفي، مصحوبة بمنطق الحرية في الاختيارات؛ إذ لم يترددوا في النهل من منابعها الغنية بالعطاء، دون أن يضطرهم هذا الإقبال إلى التنازل القسري عن هويتهم.