
بعد أن ترك وظيفته العسكرية كطبيب جراح بالجيش الفرنسي، انتقل الدكتور فيلورمي Dr. VILLERME إلى نشاطه المدني والقيام بدراسات اجتماعية حول الطبقة العاملة ولرصد الفوارق الاجتماعية، وأعد سنة 1840 تقريرا ضخما من 900 صفحة حول الوضع الصحي والنفسي لعمال النسيج والقطن بفرنسا ،التي شقت طريقها آنذاك نحو التصنيع وكان ثمن ذلك ميلاد طبقة من العمال الكادحين المستضعفين، وساهمت أفكار الدكتور فيلورمي مع فعاليات أخرى في إصدار قانون حوادث الشغل يحمي العمال من مخاطر هذه الحوادث ولحفظ صحتهم وسلامتهم وهم في خدمة مقاولاتهم ومشغليهم.
كان ذلك في القرن 19، أما اليوم وحسب تقرير لمنظمة العمل الدولية هناك حوالي 2،78 مليون شخص يموتون سنويا بسبب ظروف العمل.
وربما البعض منا نسي حريق معمل (…) في 26 أبريل 2008 متخصص في صناعة الأفرشة بمدينة الدار البيضاء أدى إلى مقتل 56 عاملا وجرح 17 آخرين.
والجدير الذكر أيضا أن عمارة تقع بمركب سكني انهارت يوم 16 يناير 2008 بالقنيطرة، أدت إلى مصرع 18 شخصا وإصابة 25 آخرين بجروح، كانوا من عمال ورش البناء وتوبع في القضية من توبع.
وقبل أيام فقط اطلعت على التقرير رقم 34/2018 للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بالمغرب، تم التطرق فيه إلى الوضع الكارثي الذي يعيشه العمال ضحايا حوادث الشغل والأمراض المهنية بسبب مخاطر كبرى، ونظام تأمين غير منصف، ويوم 4/2/2021 صرح رئيس هذا المجلس بأن المغرب ((يسجّل ألفيْ وفاة سنويا جراء حوادث الشغل، وفق إحصائيات مكتب العمل الدولي، ذاهبا إلى القول: وفاة ألفي حالة سنويا رقم مهول)).
ويوم 8/2/2021 وردت علينا من مختلف وسائل الإعلام أخبار غير سارة حزينة من عاصمة البوغاز طنجة، مفادها وفاة 24 أجيرا بسبب حادثة شغل خطيرة نتيجة فيضانات مياه غمرت مقر الشغل.
وبسبب هذه الحادثة الفظيعة طرح بعض النواب في نفس اليوم (8/2/2021) أسئلة آنية تحت قبة البرلمان يطالبون فيها بربط المسؤولية بالمحاسبة، ولم يفتهم أن يترحموا على أرواح الضحايا وشهداء العمل والكفاح من أجل لقمة العيش.
ربما مسلسل حوادث الشغل الكارثية لن يتوقف عند هذا الحد ما لم يؤسس المجتمع المدني ((المرصد الوطني للوقاية من حوادث الشغل والأمراض المهنية))، يساهم فيه بنشاطهم الفكري والمعرفي والخبرة التي اكتسبها كل من الأطباء والصيادلة وأطباء الشغل ورجال القانون والجامعيين ومفتشي الشغل والنقابيين ورؤساء المقاولات ورجال الشرطة والدرك والوقاية المدنية وشركات التأمين وخبراء علم الاجتماع… إلخ، وبالطبع يجب أن يكون المرصد مزودا بموارد مادية كافية للعمل ولكي يشتغل على استراتيجية مكونة من ثلاثة محاور أساسية:
1-كم من حادثة شغل ومن مرض مهني تسجل بالمغرب سنويا؟
2- ما هي طبيعتها وأسبابها؟
3 – ما هو السبيل للحد منها وللوقاية منها؟
وربما تأسيس هذا المرصد سيكون مكملا للمجهودات التي تقوم بها وزارة الشغل والإدماج المهني على صعيد مؤسسة ((مجلس طب الشغل والوقاية من المخاطر المهنية)) الذي عقد دورته الثامنة يوم 19 نونبر 2019 بالرباط.
ولكن كخلاصة، نقول إنه يبقى على عاتق الدولة بكافة مكوناتها وأجهزتها مراقبة تطبيق مدونة الشغل للحد من آفة حوادث الشغل والأمراض المهنية وتوفير الحماية الاجتماعية للأجراء ولو في حدها الأدنى والضروري.